بُستَان الإِبدَاع يكرم كاتبة القصص القصيرة من سوريا، مقيمة بالنرويج *نسرين تيللو* تحية إكبار وتقدير
ألف مَبرُوك أهلاً وسهلاً
#وجوه_مشرقة في
#بُستَان_الإِبدَاع
مِن إِعدَاد🎙️🎧🎤📚🖊الإِعلامِيَّة وَالأَدِيبَة المَهجَريَّةَ
#كلُود_نَاصِيف_حَرب،
ضيفة "بُستَانُنَا"
*نسرين تيللو* امرأة كردية من القامشلي ،
تابعت دراستي الجامعية في جامعة دمشق .{جغرافيا . تخرجت سنة 1979 .
أنا من الجيل الذي رأى سعادته في قراءة كتاب ليصبح نافذته الكونية وبه نسافر عبر الزمان والمكان في حين كنا مضطرين للبقاء في أماكننا لنجد في الكتب ملجأنا النفسي . ليعلمني فن الإصغاء لمن يعرف أكثر . حين لم تكن الميديا على هذه السطوة والتطور والإنتشار .
_نشأت في بيت كان أقرب إلى مدرسة قومية . وعيت ماذا يعني أن أكون كردية في أجواء الإستبداد حيث كتبنا الكردية ممنوعة من التداول . لأشهد منذ نعومة أظافري هجمات الأمن والتفتيش لبيتنا بحثا عن كتب كردية . أراهم أخوتي كيف ينهمكون في نقلها إلى بيوت بعيدة عن الشبهات . وأقرأ القلق والتوجس في عيون أمي وأبي . وكيف علينا نحن الصغار أن نصمت ونتجاهل الأسئلة فيما إذا وجهت إلينا . أفهم أن والدي كان عضواً مؤسساً في جمعية خويبون . ورئيس نادي جوانين كورد . وأمين سر الجمعية الخيرية لفقراء الكورد . وهكذا كان عليَّ أن أكون أكبر من مسطرة الزمن . يغادر الأمن بيتنا ويبقى هاجسه يلاحقني كالوسواس .
تلك البيئة منحتني من إرثها الصلابة النفسية لأتجاوز فيما بعد النكسات والإحباطات بسرعة .
لكني بنيت نفسي ، بما يتفق مع أهدافي وتطلعاتي في الحياة . لأكون أكثر قدرة في التعبير عن نفسي بمواقفي المستقلة المختلفة بعيدا عن القولبة والتنميط والسائد والشائع . وبهوية جديدة أردتها لنفسي . متحدية القوى الضاغطة من حولي وأخذ ردود فعل الآخرين كأمر عابر لا يعيقني عن الوصول إلى هدفي . بعد أن أمتلكت رؤيتي متجاهلة الصعاب لأنجز العمل والدراسة والإنجاب وواجبات الأمومة معا . وحين أنهيت الجامعة كنت أماً لطفلتين . كتبت خواطر وما يشبه الشعر في المرحلة الثانوية . ثم تبلورت موهبتي في القصة القصيرة واعتقد أن أمي كانت أجمل القاصّات قاطبة فلم ننم يوماً قبل أن نتحلق حولها لتسرد لنا كل يوم قصة مختلفة من مخزون لم يعرف النضوب . أما قصص الأطفال فكانت قصيرة بلسان العصافير
والحيوانات الأليفة .اسلوبها السردي كان فيه من التشويق ما يشدنا ويعلق عيوننا بتعابير وجهها السموح .
مخزوننا من الوعي كبشر هو حصيلة كل ظروفنا من تجارب وعلاقات وقراءات ومشاهدات وسفر .
وكل ما نصغي إليه . ولذلك لا ندين لكاتب وشاعر أو قاص أو موسيقى او باحث بعينه بل نحن نتاج كل أولئك الذين امتزجت فينا ابداعاتهم ومواقفهم في قليل أو كثير . وأودعت في عجينتنا الحسية أشياءٌ منها . بشرط أن يفهم القارئ ما قرأ وشاهد وسمع .
امتهنت التدريس وشغفت به وعملت على مدى ثمان وعشرون عام في ثانويات القامشلي , تعرضت للنقل التعسفي عدة مرات . لأسباب سموها سياسية . علماً أني لم أمتهن السياسة يوما ً . بل كنت أحاسب على ما أشارك فيه من أماسي أدبية رائعة بقيت وتبقى ذكرياتها غالية وعزيزة على قلبي .مع كل الذين صنعوا معي وطنا في كتاب حين ضّيقوا علينا الوطن . بإختصار كان الهدف الغاء حبالنا الصوتية إلا إذا غرّدت لهم . وأنا من لا يستهويني سوى التغريد لمزاجي .
الصدع الأكبر والأقسى بالنسبة لي هو الهجرة بسبب الحرب . حرب لا تعرف حدود . ليصبح التقاء الأسر ببعضها وعناقاتهم في مطارات المنافي وحده ما يرسم الإبتسامة على وجهي .
_اجيد اللغات الكردية والعربية الى جانب الانكليزية والنرويجية .. لدي مجموعات قصصية وشعرية بالكردية والعربية. وجدت نفسي تماما في القصة القصيرة . التي اوظفها لأكثر من معنى وهدف .وتابوهات غير مطروقة تعكس فرادتها بعيدا عن القيود المعهودة . ابطالها اناس. بسطاء عاديون من قلب الحياة . قصص تمتلك سهم التكثيف لإ ستهداف المواقف . مع تفاصيل صغيرة تخدم الموقف لتلامس أوجاعنا اليوميةبعمق . ما أنشره يستوقف القارئ
{الذي يفهم ما يقرأ . }
إلى جانب القراءة يغويني السفر فكل بلد بالنسبة لي صفحة جديدة من كتاب الحياة .
______
*نسرين تيللو*:
من كتاباتها قصة قصيرة .
{ القطرات الأخيرة }
اعتاد رجل مسن أن يتردد عصر كل يوم إلى محطة السكة الحديدية . حاملاً معه صفيحة فارغة بسعة خمسة ليترات, معلقا بها كأساً بلاستيكية عتيقة بواسطة خيط من قنب . يجلس القرفصاء قرب حفرة حفرتها قطرات المازوت المتسرب من خزان وقود القطار على مدى الوقت . ويستمر تنقيط الخزان من لحظة توقف القطار في المحطة لحين موعد انطلاقه في رحلة جديدة في اليوم التالي. وحين يغادر القطار تكون الحفرة قد امتلأت بالمازوت . يباشر الرجل المسن تحرير الكأس من العقدة . وينحني ليغرف به مازوت الحفرة كأساً كأساً حتى تفرغ الحفرة , وتمتلئ الصفيحة او تكاد .حفرة المازوت التي اكتشفها المسن بقي مواظب الوصول إليها في ذات الموعد دون إبطاء . فهي مصدره الوحيد كوقود للتدفئة. مصدر يكفي لبث الدفئ في أوصال أسرته وأوصال الحجرة الباردة الواسعة . تستخدمه الأسرة مساءاً فقط . قبل أن تخلد إلى النوم .الأطفال يدارون برد النهار كزهور عباد الشمس . متنقلين مع حركة الشمس الى البقاع المشمسة في باحة الدار . وعند المغيب يدلفون إلى الداخل منشدين الدفئ من بطانيات مهلهلة . وعندما يدلهم الليل ويشتد البرد , يحين موعد إيقاد مدفأة المازوت , سيتحلقون حولها . وتحلومع الدفئ أحاديث السهر وإحتساء الشاي حول المدفأة مع ضيوف المساء إن قدموا. لكن الحفرة في ذلك اليوم خيّبت الرجل بفوهتها الفاغرة , إلّا من حفنة مازوت متبقية في قعرها . حدّق الرجل في الحفرة الخاوية . فملأته الحفرة خيبةً ووجوم .
ها قد سبقه أحدهم إلى تفريغها . بقي يرمق حفنة المازوت المتبقية في قاع الحفرة . بدت له الفوهة فماً فاغراً لا يدري إن كان يسخر منه. ؟ أم أنه يعتذر منه ؟ لكنه انحنى بكأسه