قراءة لقصيدة "عطش الأجوبة" للشاعرة خزامى الشلبي ( الجزء الثالث و الأخير)
محمد هالي
فالصور واضحة لمن يحمل جرعة الرأفة للتدخل، و فك لغز هذه المأساة التي اختلط فيها الدم بالحقول، و أثر على الورد، و الطفولة، بل أكثر من هذا ينضاف الصقيع ليختصر البؤس ككل بلغة الخريف لغة الانحصار، و الانسداد على كافة الاصعدة، فينبع عدم التحمل من خلال فرز الظواهر و ما تحركه من مشاعر العطف، و الحنو لعل القارئ للقصيدة تتوفر فيه جرأة الصراخ للتدخل، لهذا اختارت أن يكون المتدخل مجهولا، إنه المخاطب بدون لون حسب القدرات و الإمكانيات من اجل صد الطوفان الجارف، لتقول له لقد بلغ السيل الزبى:
" كن حنينا حين يغلبني البكا
لتصب من وجع الجداول أعذبه"
يبدو ان الشاعرة تثقن توظيف اشكال التشبيه، تثقن نسج من الاحرف ما تتوخى تبليغه، فجعلت من الطبيعة و الحرب و تفاعلهما العميق، لغة أخرى لوصف حالة واقع يندى له الجبين، فالحرب و مخلفاتها، و الطقس و مخلفاته، و من داخلهما معا تستنجد للوصول الى السلام، و البحث عن قلوب رحيمة تتجه لذلك، تتدخل و تحاول صد المأساة في زمن تتفاعل فيه كل أطياف الغثيان الذي يصعب التبليغ عنه، أو نقله، فالواقع المعيش، و حجم الكوارث المعاشة تفوق كل تبليغ أو نقل،
و نظرا لإدراكها عمق الكارثة المحدقة بالبشر زمن الحرب و غضب الطبيعة فهي تتأسف لأنها مضطرة لنقل ما تراه ممكنا من داخل الموت المحقق، فما أصعب أن ترى طفلا ضمن الحرب، و اختلاط الدم بالحقل، و ذبول الورد ، و الجوع الذي بلغ حد ( الخبز وهم و المعاجن مسغبه) من هنا يخرج التأسف لان " تلك الجنان يميتني" على حد قولها:
آسف على تلك الجنان يميتني
ذئب الفجيعة جاء ينشب مخلبه
و هنا تبدو الشاعرة قوية من حيث تقريب الصور كاختيارها لحيوان مفترس(الذئب) ، و هل يمكن الصمود أمام هجوم ذئب مفترس جبار؟ بهذا الشكل الصعب تؤكد أن صراخها طبيعي ، و حقيقي و كأنها تقول: كفى من هذا الاستهتار، لقد بلغت المأساة قمتها مما يفرض ضرورة الدعوة لتوقفها، و تحفيز لغة السلام .
و هذا بالطبع لم ينسيها ما هو مسبب لكل هذه الأشكال الأليمة ، فكان عليها ان تخرج من وضعية الطفل القاسية الى وضعية متسببي تلك الآلام، لتوقظنا من جديد كي ندرك حجم الكوارث أكثر:
" ألف من الاجداث تنتظر الردى
و على الردى تلك الألوف مدربه"
إن مفبركي الحروب هم صناع القتل أنفسهم، إنهم صناع القتل العمد دون سبق إصرار و ترصد، وقد
وصفتهم أبيات القصيدة أحسن وصف: "
"ألف من الاجداث تنتظر الردى
وعلى الردى تلك الألوف مدربة"
ثم " جعلوا المشاهد تحت اسم واحد " ف"تتوحد الاسماء تحت الألهبه "
هكذا تبلغنا "خزامى الشلبي" بما تراه عمق التأزم، عمق نشر الموت، و الفناء، في الوجود الطبيعي ، هذا العمق له صناعه، لا يهمهم طفلا، أو وردا فقط ما يهمهم التدرب على صناعة الأجداث مادامت الجثث موجودة، بل حتى استمرارية الطبيعة لا تهمهم، إنهم في الحقيقة صناع الردى، يصعب معهم الحنو، و السلام، يصعب معهم الفرح و السرور، بهم تتجسد المأساة بأعثى صورها، فتظهر مأساة الطبيعة النابعة من مخلفات الحرب، إن هذا التكالب على الانسان( الطفل) يفوق كل وصف و كل لغة من أجل تعرية ما هو عار، هكذا تبدو ناقلة هذه الصور أنها على دراية بما يحدث، و تدرك بعمق مسبباته، لهذا عرضت الظواهر، و الصور عن طريق المزج ما بين ما تفرزه الطبيعة من معاناة ، و بين ما تفرزه الحرب من مآسي ، و حين تتوحد الطبيعة و الحرب ندرك ان الردى هي الأقوى، و أن الجثث تتحلل الى جانب الورد مادامت أن الحقول تكره الدماء.
مما جعلوا:
"ظمأ السؤال على ضفاف نحورهم
و تضيع من عطش الدماء الأجوبة"
بهذا تكون الشاعرة قد قدمت لنا قصيدة متماسكة على كافة المستويات من حيث عرض الظواهر أو من حيث التبليغ عنها ، أومن حيث صلابة الموقف الذي تريد وضعنا فيه، فهي تدرك أن الحرب خراب لا أحد يختلف في شأنها، و تدرك أن صناعها خبراء في صناعة الردى، و من خلال ذلك خبراء في صناعة البؤس و القهر الاجتماعي، لهذا استطاعت أن تبلغ عن الظاهرة كشكل من أشكال تجليات الحرب البغيضة ، فبقي السلام ضمن مطالب عامة قد يتحقق من خارج صناع الحروب أنفسهم، لأن من يصنع الردى لا يعير للسلام أي اهتمام ، بل يجدد الموت بعد اجتثاث منابع السكينة من كل قواميسه، و هذا ما تريد الشاعرة "خزامى الشلبي" إيصاله بامتياز ، و قد أصابت ، و تفوقت في ذلك.
محمد هالي

















