محمد هالي
القصيدة : " عطش الأجوبه"
كالطفل قبل الحلْمِ يفقدُ ملعبهْ
والحرب تنثر في الملاعب أتْرِبهْ
والجائعون يشيعون دموعهم
والخبز وهمٌ والمعاجن مسغبه
عيناك حرفي والرموش قصيدة
أَعَجِزْتُ يا طفلَ النقاء لأكتبه ؟!
أرسل بحبرك من سلاسل دمعةٍ
و لحِبرِ غيرك لن أعيش لأطلبه
فالورد لا يرضى بأن يروى دماً
إنَّ الحدائق بالدماء معذبهْ
لا تسأل الغيماتِ عن أحزانها
لا غيث فيها يا رفيق لتسكبه
بردُ الشتاء على الطفولة جائر
جاءت كوانين الصقيع لتصلبه
هذا الخريف على الدفاتر مرهقٌ
عين السطور من القصائد متعبه
سرُّ القصيدة أن تفكَّ رموزها
هبني حروفاً للسلام محببه
أو كن حنينا حين يغلبني البكا
لتَصُبَّ من وجع الجداول أعذَبَه
أسفٌ على تلك الجنان يميتني
ذئبُ الفجيعة جاء ينشب مخلبه
ألفٌ من الأجداث تنتظر الرَّدَى
وعلى الرَّدَى تلك الألوف مدربه
جعلوا المشاهد تحت اسم واحد
تتوحد الأسماء تحت الألهبهْ
ظمأ السؤال على ضفاف نحورهم
وتضيع من عطش الدماء الأجوبه
التحلبل:
إن القصيدة ككل تتميز من أولها الى آخرها بتماسك الموقف، و علو الصور، من خلال ما هو مبلغ أو المقصود بالتبليغ، و هنا يمكن القول أن هناك تآخي قوي بين العنوان" عطش الأجوبة" و بين ما هو معروض من مضامين القصيدة ، إلى درجة يمكن اعتبار العنوان مدخلا نستشف من خلاله تداعيات الصور المختلفة ، و هي تجسد كآبة عصر يدعي الرقي، و التحضر، في حين أنه يظهر على أنه لا زال في طور حالة الطبيعة المتسمة بالصراعات من أجل تلبية حاجيات ما هو غريزي كما بين ذلك الفيلسوف توماس هوبس، يظهر هذا من خلال الامراض، و الحروب المنتشرة في أكثر من مكان، كل هذه المعطيات يمكن أن نستجمعها من مضامين الابيات الشعرية المقدمة ضمن "عطش الأجوبة" إن العنوان يببن بالملموس عجز إيجاد أجوبة شافية عن ما يقع ، قد تشبه الجفاف و العطش، من أجل إيجاد حلول ممكنة لما هو سائد ، وكأن الشاعرة "خزامى الشلبي" تهيؤنا لهذه الأزمات لاحقا، لتنطلق بتشبيه جميل ، و صورة عالية الدقة أثناء الكشف عن هذه الاوضاع، فندرك من خلالها أن الحياة ليست على ما يرام، لهذا كان اختيارها لشخصية الطفل من أجل تجسيد هذه الانتهاكات المريبة التي تحدث في مجتمعاتنا على الخصوص(سوريا ، العراق، لبنان، اليمن... ) لهذا يعتبر الطفل أرضية لفضح ما يقع ، و في نفس الوقت رمزا يمثل المستقبل، أن هذا الواقع يبدو في كليته " كالطفل قبل الحلم يفقد ملعبه" يتبين مدى عمق التأزم الذي أصاب الوضع الانساني و الطبيعي ككل ، فحين يفقد الطفل أرقى شيء يحبده، و المتمثل في اللهو نتيجة الحرب التي تحرق الأخضر و اليابس، حيث أنها" تنثر في الملاعب أتربة" هذه الانطلاقة الشيقة تضعنا في صميم الملعب، في عمق الكوارث في أفق استجلاء النتائج المترتبة عنها، و المتمثلة في خراب الملاعب، و ترك الأطفال في معمعة الخوف ، و الرعب ، و الانعزالية، و السقوط في الحرمان، فما هو منحط في الطفولة يظهر بشكل أفظع في هذا البيت الشعري، لتبين من خلاله الشاعرة تضخم البؤس و قساوته:
"و الجائعون يشيعون دموعهم
و الخبز وهم و المعاجن مسغبه "
و هنا تختلط المأساة الوجودية ، حينما ندخل في المقارنة بين شيئين أحلاهما مر، اللعب و الجوع، و ربما الثاني اعمق و أعقد من الأول، ليلتحم التشبيه الاول بالثاني، لكون الجوع لابد من أن يغيب اللعب و قد يعتبر الجوع هو المسبب للكبث و الحرمان الذي يؤجج مضاجع الطفولة، فهل الجائع سيفكر في اللهو؟ هنا الشاعرة تريد الانتقال من الابسط الى الأعقد، فكانت بليغة من خلال المفاهيم المستعملة ساهمت في استجلاء عمقها الكارثي، لتظهر للمتلقي قوة المأساة التي تنطلق كلها من منبع واحد الا و هي الحرب بكل مقاييسها، إنها مصدر كل الويلات، و الخيبات، هي الجوع، و الدموع ، و انزياح الملاعب بعيدا عن الطفولة، فيقع كل ما هو غير متوقع عن فقدان الخبز، و ضياع المعاجن، و تناثر اتربة الملاعب، هكذا تدفعنا متتاليات القصيدة الى تقبل الاول لأنه الابسط بالمقارنة مع اللاحق، لأن الجوع ليس هو اللهو، له مؤثرات جمة على نفسية الطفل ، بعد هذين البيتين الشيقين التي امتعتنا بهما الشاعرة، انطلقت لتتوقف عند ملامح الطفل، والتي هي نابعة من مأساتين أساسيتين: الجوع و الملعب، نابعتين من المأساة الأكبر الحرب، لتبين من العنوان نفسه عن صعوبة أيجاد اللغة لتبلغ بها هذه التراجيديا المرئية ، و كيفما كانت نوعية الحروف و كيفما كانت نوعية القصيدة لا نستطيع ايصال شكل هذه المرئيات:
"عيناك حرفي و الرموش قصيدة
أعجزت يا طفل النقاء لأكتبه؟!
أكيد سترى في الملامح المنبثقة من الحرب ابلغ الصور للتبليغ ، بل هي الحروف، و هي القصيدة، و كيفها كان نوع البوح لا يستطيع وصف ما هو قائم، فاللغة منحبسة بمحدودية الخراب، و تناثر الأتربة، و مسغبة المعاجن، لتطلب من تلك الملامح ان تبلغ ما في مكنونها من معاني، و هنا ينجلي الخطاب من خلال الطلب:
" ارسل بحبرك من سلاسل دمعة
و لحبر غيرك لن أعيش لأطلبه "
هكذا تذهب بنا الى مفارقات أعقد و أعمق، من خلال تداخل الطبيعة في الطبيعة ، لكن بصيغة الضد، و الرفض لا بصيغة القبول، و هنا تختار أجمل ما في الارض، ألا و هو الورد الذي يرفض الانتعاش بالدم، و تزيح الستار عن المعنى المعقد أكثر :
" ان الحدائق بالدماء معذبة"
بهذا التعبير تبلغنا الشاعرة مدى بشاعة الحرب، ليظهر لنا حسن الاختيار، و في نفس الوقت عدم التقبل، حسن الاختيار يتمثل في الورد و الدم/ و الطفل و اللهو لأن كل هذا يخرج من منبع واحد إنها الحرب و مخلفاتها، و ما يظهر من مخلفات لا يمكن حصرها، ف"خزامى الشلبي" من خلال هذه التعابير تؤكد على أنها قادرة على وضع الشيء المرفوض(الحرب) ضمن قائمة النتائج المترتبة عنها في سلة واحدة لأنها لا تترك وردا ، و لا تفرح طفلا، فقط تخلف الجوع، و تناثر الاتربة، و تترك الاحزان مستشرية في الوجود:
"لا تسأل الغيمات عن أحزانها
لا غيث فيها يا رفيق لتسكبه"
(يتبع)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق