أخيراً وافقت أسرائيل على وقف إطلاق النار من جانبها بعد أن هُزمت في هذه الحرب وأنتصرت إرادة وصمود الفلسطنيين في دفاعهم عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول محمد (ص).
وبمناسبة هذه الأحداث التي جرت داخل فلسطين فقد لاحظت إن الكثيرين من الأخوة الكورد أعلنوا عن عدم أكتراثهم بما يحدث من المأساة التي كانت تجري أو يأخذون جانب الحياد على الأقل فيما يجري هناك.. وكانت حجتهم في ذلك إن الفلسطنيين لم يستنكروا أحداث حلبجة أو الأنفال وقت حدوثها.. وكأن المسألة مسألة تصفية حسابات..! فمن الإجحاف أن نتهم جميع الشعب الفلسطيني المنكوب.. بما صرح به نفر معدود من الإعلاميين المأجورين من قِبل نظام بغداد حينذاك..
كما أود هنا أن أوضح بأنه من الخطأ جداً أن نقوم بهذه القفزة الزمنية ما بين أحداث مأساة الأنفال وما يجري الآن في فلسطين، مع العلم إنه يفصل بينهما أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.. وإذا نحن أعطينا لنفسنا هذا الحق فربما سنجد شخصاً آخر يسأل عن ماذا إذاً كان تعليق الكورد عما حصل من المذابح التي قامت بها العصابات الصهيونية في دير ياسين عام 1948 وما بعدها من مذابح أخرى..
إذن أولاً ليس من الإنصاف أن نقارن حدث بحدث آخر يفصل بينهما عقود من الزمن، والنقطة الثانية إن مأساة حلبجة والأنفال حصلت في وقت لم يكن فيه هناك أية وسيلة من وسائل التواصل الإجتماعي أو الإعلام الفضائي مثل ما هو موجود الآن.. بل هناك الكثير من الدول الغربية وعلى رأسهم أمريكا (والتي ما زال البعض يتمسح بها) أنكرت هذه الواقعة وذلك عبر فرق من الخبراء الذين أرسلتهم هذه الدول وأصدروا تقريراً بنكران حدوث هذه الواقعة..؟! بل وحتى إن عملية الأنفال ذاتها شارك فيها (ومع الأسف) أعداداً ضخمة من أفواج الدفاع الوطني الكوردية بما يضاهي عدد أفراد الجيش العراقي ونحن وبعد ثلاث سنوات فقط على تلك الماساة وفي 1991 عفونا عن جميع هؤلاء من الفرسان ومسؤوليهم بحجة.. عفى الله عما سلف.
ما يثير أستغرابي هو هذا التزلف والتمسح بأسرائيل وهي تلك الدولة التي تمارس أقسى حالات التمييز العنصري والديني وأنا حقيقة لا أعرف سر إعجاب العديد من الكورد بهذا الكيان..؟! ولا أعرف ما هو فضلهم على الشعب الكوردي..؟! بل إن هذا التزلف هو أنتقاص لنضال الكورد والبيشمركة عبر عشرات السنين من النضال والذي بدأ قبل عقود من إنشاء كيان الأسرائيلي.. ثم أخيراً أتسأل هل ما زال هناك من الكورد الذين يعتقدون إن شاه إيران أو الموساد الإسرائيلي كان لهما فضل على الثورة الكوردية..؟ ويا ترى هل هناك من يجيبني عن موقف هاتين الجهتين من أتفاقية جزائر المشؤومة وما حل بالكورد من ورائها ..؟
البعض يسجل بأن هناك عدة مئات من الفلسطينين شاركوا في حملات الأنفال، وأنا أقول.. نعم قد يكون حدث ذلك ولكن هناك أيضاً عشرات الآلاف من الكورد شاركوا في تلك الحملات ضد ابناء جلدتهم.. وفي الحالتين هذين النوعين يعتبران مرتزقة لا أكثر ولا يمثلون سوى أنفسهم..
للأسف أخذنا نحاسب الشعب الفلسطيني بجأرة نفر من الإعلاميين المرتزقة والمأجورين..! وأخذنا نحاسب الرئيس المرحوم عرفات على بعض وجهات نظره من خلال مواقف معينة، ونسينا أن ياسر عرفات ومنظمة تحرير فلسطين قدموا العديد من المواقف الجليلة للشعب الكوردي وآخرها كان ما صرح به الرئيس مسعود البارزاني في مقابلة في صحيفة (الشرق الأوسط) حين قال: ( أدين لياسر عرفات بأنه قدم لي مساعدة في وقت كنت فيه بحاجة إلى تلك المساعدة عندما تعرضت لمحاولة الاغتيال في النمسا عام 1979، فهو من أنقذني..).
نسينا أن الوفد الفلسطيني كان من أوائل الوفود العربية التي حضرت المؤتمر التاريخي الثامن بعد أتفاقية 11 آذار التاريخية وألقوا كلمتهم بهذه المناسبة التاريخية..
نسينا أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أستنكرت وبشدة المحاولة الآثمة لأغتيال الزعيم ملا مصطفى البارزاني عام 1971 تحت عنوان (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تشجب المحاولة القذرة..)
نسينا أن هناك العشرات من العوائل الكوردية التي تسكن عدة مدن في فلسطين منذ مئات السنين وتعرضت هي الأخرى لشتى أنواع المعاناة، وإن الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني كان من ضمن إحدى الأصول الكوردية.
نسينا قصيدة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش حين تغنى للكورد برائعته:((معكم قلوب الناس لو طارت قذائف في الجبال..)).
وحتى في القريب الحاضر نسينا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس هو أول رئيس عربي يزور كوردستان العراق في نيسان 2009 وأفتتحت السلطة الفلسطينية قنصليتها العامة في نوفمبر 2011 وقد صرح السيد مسعود البارزاني آنذاك رئيس كردستان العراق في حفل الافتتاح: إن أفتتاح قنصلية دولة فلسطين في عاصمة إقليم كردستان هو يوم عظيم وتاريخي للأمتين الشقيقتين والمضطهدتين.. كما ذكر حينها القنصل العام لدولة فلسطين في أربيل نظمي حزوري قائلاً: (( نرفع اليوم العلم الفلسطيني فوق القنصلية العامة بأربيل، وفلسطين تعيش حية بوجدان الشعب الكردي.. )).
أنا انصح أصحاب هذه الدعوات وبمثل ما هم يدعون إلى تحقيق الحقوق الكاملة للشعب الكوردي وبالأخص تنفيذ المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها والذين يعتبرونها أراضي مغتصبة فأنني أدعوهم أيضاً أن يناصروا الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب بأسترجاع الأراضي المغتصبة بما فيها القدس والمسجد الأقصى الشريف وباقي الأراضي المقدسة للمسيحين في الناصرة وبيت لحم.. فأنا أؤمن بأنه لا توجد هناك إنتقائية في المطالب فمثلما نطالب بعودة حقوق الكورد في كركوك وخانقين وحقوق الكورد الفيليين واليزيديين.. فأنني أيضاً أؤمن بحقوق مسلمي الروهينجا وميانمار وحقوق الأرمن والهنود الحمر في أمريكا وفي التبت والباسك وكتالونيا.. ومن يحاول أن ينتقي من هذا أو ذاك فهو كمن يلعب على الحبلين..
ويبقى في النهاية الدعوة إلى السلام والتعايش الأخوي والتفاهم هي من أفضل الحلول..
زوزان صالح اليوسفي



















