الحلقة: السابعة بعد المائة
بقلم وتصميم: زوزان صالح اليوسفي
والدي وسماحة الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي في المعتقل..
تعرّف والدي في المعتقل على عدد من الشخصيات الوطنية المهمة ممن كانوا رهن الأعتقال وذلك لأسباب سياسية أو دينية والذين كانوا يشاركونه بنفس زنزانة الأعتقال، وكان من هؤلاء الشخصية الوطنية والدينية سماحة الإمام الشيخ مهدي الخالصي (وهو نجل أية الله العظمى الإمام المجاهد محمد الخالصي الكبير(1)) من زعماء الشيعة المعروفين في العراق ومن كبار معارضي النظام، وكان هناك أيضاً الأستاذ ثابت الألوسي وكيل وزير الداخلية، والكابتن الطيار نجاح الزبيدي.
كان أخي شيرزاد يزور والدي في مكان أعتقاله في مديرية الأمن العامة كل يوم جمعة، وكانت عوائل المعتقلين تتناوب أيام الجمعة على إرسال وجبات الغذاء لهم.
عند هذه الحلقة سأخذكم إلى فترة زمنية قريبة إلى عام 2013 حين صادفني الحظ لأتعرف على سماحة الإمام محمد مهدي الخالصي بعد هذه السنين وأطلب من سيادته أن يزودني ببعض ذكريات مع والدي في المعتقل عام 1978، وذلك حين قامت فضائية (روداو) بعمل فيلم وثائقي عن سيرة والدي، فأخبرني القائمون على إنتاج الفلم بأنهم ذاهبون إلى بغداد لمقابلة بعض الشخصيات التي عاصرت والدي ومن الذين يحتفظون بذكريات عنه مثل الدكتور محمود عثمان والأستاذ مكرم طالباني والأستاذ إحسان شيرزاد وطلبوا مني أن أزودهم بأسماء بعض الشخصيات العراقية الأخرى ليتسنى لهم إجراء مقابلة معهم.. فأخبرتهم عن سماحة الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي لعلاقته الطيبة بوالدي وتقديره ومحبته لهُ.
وبعد لقاء كادر فضائية رووداو بسماحة الشيخ الشيخ محمد مهدي الخالصي، أتصال بي سماحة الشيخ (جواد مهدي الخالصي) شقيق سماحة الشيخ محمد مهدي الخالصي، وبعد السلام والترحيب، تأسف جداً من عدم إمكانية الشيخ محمد مهدي الخالصي من إجراء المقابلة التلفزيونية لوعكة صحية ألّمت به في تلك الفترة وإنه هو الذي قام بأجراء المقابلة بالنيابة عن أخيه، ووعدني بأتصال سماحة الشيخ فور تعافيه من الوعكة الصحية.. وبعد مرور أيام قام سماحة الشيخ محمد مهدي الخالصي بالأتصال بي وأعرب عن أحـترامه وتقديره الكبيرين لعائلتنا وأخذ يسأل علينا واحداً تلوا الآخر وعن أخي شيرزاد وقد حزن وتأسف جداً لوفاته في تلك الظروف الغامضة، حيث كان قد تعرف على أخي شيرزاد منذ أيام أعتقال والدي، كما زارنا بعد أنتفاضة 1991 قادماً من سوريا، ثم عرض عليّ سماحته إن كنا بحاجة إلى أي طلب أو مساعدة يستطيع تقديمها لنا، فشكرته جداً على كرمه وعلى هذه البادرة النبيلة، وأن موقف سماحة الشيخ محمد مهدي الخالصي جعلني أفكر بمدى الحظوة والتقدير التي كان يتمتع بها والدي عند هذه الشخصيات الوطنية.
أرسلتُ لسماحة الشيخ الطبعة الأولى من كتابي عن سيرة والدي، ثم طلبت منه أن يزودني ببعض المعلومات وذكرياته عن الفترة التي قضاها مع والدي في المعتقل حتى أضيفها على الطبعة الثانية من كتابي، ورغم وعكته الصحية إلا أن سماحته قام مشكوراً بأرسال رسالة لي تحتوي على بعض المعلومات المفصلة عن فترة أعتقالهما عام 1978. وهنا أعرض رسالة سماحة الشيخ محمد مهدي الخالصي (أدامه الله) مع الشكر والتقدير لسماحته وهذه نص الرسالة:
السيدة الفاضلة زوزان صالح اليوسفي دام توفيقها..
السلام عليكم ورحمة الله.. بعد الحمد والصلاة.
فقد تلقيت منذ مدة هديتك القيمة، نسخة من كتابك القيم عن حياة والدك الفقيد رحمه الله، فشكراً على الهدية وأكباراً لهمتك على جمع هذه المعلومات المفيدة وأخراجها في كتاب أنيق يُعرّف به ويخلد ذكره للأجيال القادمة. فوفاءاً لذكرى الفقيد، الذي أسعدت بمعاشرته عن قرب لفترة قصيرة في ذلك الزمن العصيب من سنة 1978، حيث جمعنا معتقل في بغداد، جراء معارضتنا للحكم الأستبدادي الجائر السائد في تلك الآونة، وأنتقادنا لسياسة القمع والعنف الممارسة ضد الشعب، وتلبية لرغبتك الكريمة، أرسل إليك هذه الأسطرالموجزة عن ذكريات تلك الحقبة.. ففي تلك السنة حيث كنت أقضي إحدى فترات الحبس الإنفرادي في بعض معتقلات بغداد، وما يصاحبه عادة من المضايقات والتلويح بالإبادة، كما كان دأب النظام مع معارضيه، زارني يوماً المسؤول عن إدارة المعتقل كما عرّف نفسه، وبلهجةٍ حاول أن يكون مؤدباً فيها قال: (شيخنا نريد أن نأتي إليك بضيف) فراودتني لأول وهلة الهواجس عن مهمات ضيوف النظام للسجناء، وما يتعلق منها بالتصفية الجسدية لا سيما إذا كان السجن إنفرادياً. فأستعذت بالله في نفسي، وفوضت أمري إلى الله وقلت له:(نحن ضيوفكم على كل حال، مرحباً بكم وبضيوفكم).
غادر المكان، أنفتح الباب الحديدي وأدخل شخص وأغلق الباب دونه، أقبلت إليه مرحباً، فبدا أنه قد أخبر عن شخصي، سألني أن كنت عرفته، ابديت أسفي لعدم سبق التعرف عليه، قدّم نفسه قائلاً: (أنا ثابت الآلوسي، وكيل وزارة الداخلية) هان الأمر بعض الشيء، فأنه ينتمي إلى بيت معروف فيهم العلماء والفضلاء ولنا معهم صلات علمية قديمة، لا سيما العالم الجليل الشيخ فؤاد الآلوسي رحمه الله، قلت له من باب الملاطفة:(ما الذي جاء بك إلى هنا معتقلاً ؟) أبدى ما هو المتوقع في ظل الأنظمة الإستبدادية قائلاً: (أختلفتُ مع الوزير فأمر بإعتقالي) شكرنا الله على نجاته مما هو أسوأ وعلى أن أنس وحدتي بإنسان يؤمن شره.
مضت أيام فإذا بضيف جديد يضاف إلينا، بعد أن هدأ روعه تعارفنا فإذا به كما عرف نفسه: (أنا الكابتن نجاح الزبيدي أبوغيث، مقدّم طيارين) رحبنا به، وذكر لنا سبب الغضب عليه وأعتقاله، بما لا يختلف كثيراً عن سبب أختلاف أعتقال الضيف السابق.
بعد مضي أيام، كنا تواً قد أنتهينا من صلاة الظهر جماعةً، فإذا الباب الحديدي يفتح بقرقعته المعهودة، والجلاوزة يسوقون ضيفاً ثالثاً، عليه سيماء الوقار والأتزان، قبل أن يغلق الباب، أندفع نحوه السيد ثابت الآلوسي وهو يقول لهُ: ( أبو شيرزاد شمدريك أنا هنا )..؟ ظاناً أن أبا شيرزاد (صالح اليوسفي) قد علم بإعتقاله فجاء لزيارته، فلما أحكم غلق الباب دونه، أيقن أن الزائر الجديد مُعتقل مثلنا، خلا الجو للمعانقة والترحيب بالقادم الجديد، فلما أكتشف القادم شخوص معانيقه والمرحبين به أطمئن باله، جلسنا نتداول أطراف الحديث بمقدار ما يسمح به جو المعتقل وأحتمال التنصت والمراقبة، ظهر أبو شيرزاد كما هو متوقع شخصاً ذكياً مثقفاً مُلما بالأمور، كما أكتشفنا فيه أيام المعاشرة حُسن الخُلق ولين الجانب والتحليل الواعي لجوانب الأمور، الأجتماعية والسياسية في البلد وما حولها، سعدنا بجمعنا رغم ما يحيط بنا، ليس من أهوال المعتقل فحسب، بل من هموم ما يجري في الوطن كله في ظل حكم تلك الزمرة العابثة بمقدراته، فقضيناها أياماً لاتنسي بين العبادة والصلاة جماعةً والدعاء، وتدارس في القرآن ومحاضرات مختصرة يلقيها كلٌ في مجال أختصاصه بعد الصلاة وحيثما تسنح الفرصة.
بعد إطلاق سراحنا على مراحل أفترقنا على أمل اللقاء ولكن الظروف خارج السجن كانت من القسوة إلى درجة تذكرنا بقول يوسف الصديق كما حكاه عنه القرآن الكريم:(رَبِّ السِّجْنُ أحَبَّ إلَيَّ مَّمِا يَدْعُونَنيِ إلَيْهِ)، وما زالت الأوضاع تتفاقم حتى تعذر اللقاء، والمضايقات على الهجرة من الوطن لمدة دامت أكثر من ثلاثين سنة، علمت خلالها ضمن ما عملت من المآسي التي حاقت بالوطن نبأ إستشهاد الكثير من اللأخوة والأحبة، ومنها الجناية الفظيعة في تفجير الخلق الرفيع والسجايا الكريمة بقتل أبي شيرزاد بعد ما عانى من الشدائد والاجحاف وما زالت عائلته تعانيه من بعده، وكذلك نبأ وفاة الأستاذ الآلوسي، فحزنت كثيراً لفرقاهم ولم ألتق بعد ذلك برفاق الأعتقال إلا بأبي غيث الذي وجدته، ولله الحمد، مؤمنا محتسباً رغم ما عاناه من القوم بعد الافراج عنه، ثبته الله وأيانا وجعل عاقبة الجميع الى خير بفضله تعالى.
السيدة زوزان، هذا موجز ما في الذاكرة عن تلك الحقبة المفعمة بالأحداث والعِبَر وفيما يتعلق باللقاء الغنيّ بالذكريات، رغم قصره، بالفقيد العزيز والدك رحمه الله تعالى.
أكرر أمتناني على كتابك الذي توسعتي فيه، وكشفتي من جوانب مشرقة ومهمة في حياته وأفكاره ومواقفه، مما زادني حزناً وأسفاً على فرقه؛ تغمده الله برحمته الواسعة وآجاركم الله على فقده، ووفقكم لكل الخير، ولنشر المزيد من مآثره وآثاره. والسلام عليكم ورحمته الله وبركاته. مع تمنيات الخير والسعادة..
محمد مهدي الخالصي
25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013
دامت فترة أعتقال والدي حوالي الشهر، وهي كانت وكما ظهر جلياً بسبب إنعقاد مؤتمر القمة العربي وذلك لحجبه عن الأتصال بأي من أعضاء الوفود العربية التي كانت مدعوة للمؤتمر.
خرج والدي وعاد إلينا وفرحتنا لا تضاهيها فرحة، ويبدو أن والدي أطمأن في داخله بأن الحكومة ما زالت على غير دراية بنشاطه السياسي، وزاد والدي تصميماً بالمضي في طريقه، فأدرك من خلال حدث أعتقاله، وكأن السلطة أخذت تحسب له ألف حساب وتدرك مدى قوة رأيه وشخصيته، ومدركين حينها بأنه هو الرجل المؤثر والقوي في القيادة عند الكورد والأكثر شعبية بينهم، وإلا لما قامت الحكومة بهذه المبادرة المفضوحة، حيث أيقنوا مدى قدرته وشجاعته وجرأته ليعبر عن رأيه، خاصة بعد رده الجريئ على دعوة مؤتمر إتحاد الأدباء الكورد، بعد فترة من خروج والدي من المعتقل أعقبه خروج زملائه في المعتقل ومنهم سماحة الشيخ مهدي الخالصي الذي أستمر بالتواصل مع والدي وكان سماحته يدعوه للزيارة أو لمأدبة غذاء، وكان والدي يُلبي دعوته التي كان يحضرها عدد من كبار الشخصيات الوطنية والأجتماعية في العراق، وأستمر تواصلهما بين الحين والآخر حيث كان سماحته يحترم ويُقدر شخصية وأراء والدي أشد تقدير... وأنطوى عام 1978 وجاء عام 1979 يحمل الكثير من المضايقات والمشاكل أتجاه حركته... يتبع
المصادر والهوامش:
(1)يذكر الأستاذ بلند المفتي:((أن عائلة الخالصي لهم علاقات قديمة مع الكورد، كان الشيخ محمد الخالصي نائباً في مجلس النواب ثم الأعيان العراقيين، وكان صديقاً مقرباً للنواب الكورد ومنهم جدنا المرحوم هبة الله مفتي عقرة ومنذ بداية تأسيسها سنة 1925، وفي فترة كان المفتي نائباً لرئيس مجلس الأعيان من سنة 1947 ولحد وفاته سنة 1955بينما كان الخالصي رئيساً للمجلس، ولوفائه زار عقرة وبقي أيام فيها بعد وفاة المفتي بسنتين في سنة 1957 ضيفاً عزيزاً عند والدي القاضي محمد شكري، كما كان الوالد يزوره في مقره بالحوزة الكاظمية في بغداد، نحيي شعورهم ونرحب بعلاقاتهم ونتمنى لهم التوفيق في سبيل التقارب الكوردي والإسلامي المستمر..))