قصة قصيرة بعنوان : س أخيرا وجدت عملا، بعدما كدت أفقد الأمل! ما هي إلا دقائق وأودع الفراغ الرهيب الذي ألبسني رداء الكآبة أياما؛ كنت أسهر لياليها؛ ولا يغمض لي جفن.
الفرن الذي سأعمل فيه على بعد شارعين من هذا المكان؛ وكان عملي ضمن وردية الليل، وعرفت أن وردية النهار أكثر عمالها من الفتيات؛ حتى شباك البيع تعمل فيه فتاتان! ويوجد أربعة حمَّامات متجاورة، يدخلها العمال دون تمييز! فلا توجد حمامات حريمي وأخرى رجالي!
اكتشفت أنني كنت انطوائيا أكثر مما كنت أظن، أو ربما لأن العمل كان شاقا جدا؛ لم أستطع أن أكوّن أي صداقات مع زملائي، ورغم ذلك عرفت قصصا عجيبة تدور داخل الفرن! والأعجب أنني عرفتها من خلال المكتوب على الجدران والحوائط ، ورغم أن المكتوب قد لا يتجاوز سطرا أو سطرين هنا أو هناك، إلا أنني كنت أقرأ بين هذه السطور تفاصيلا أكثر مما توضحه الكلمات! هذا غير القلوب الكثيرة التي كانت مرسومة؛ وكل قلب في منتصفه سهم نافذ! وعلى رأس كل سهم حرفان متعانقان! ولكن المثير بين كل هذه القلوب وهذه الكتابات والرسوم؛ رسمة تعبِّر عن فتاة منتفخة البطن بطريقة ملحوظة؛ وكأنها تشير إلى فتاة حامل! وتحت الرسم حرف ( س ) وحيدا؛ وليس بجانبه أي حروف أخرى!
ذات ليلة سألني الأستاذ ( صلاح ) المشرف:
- عندك استعداد تطبق؟
- أطبّق ؟!
- ها ها .. يعني بعد ما تخلص شغلك في وردية الليل، تكمِّل في وردية النهار؛ والأجر سيكون مضاعفا، أنت كما فهمت طالب في الكلية؛ ومحتاج فلوس تشتري كتب وغيره، إيه رأيك؟
- موافق طبعا يا أستاذ
وافقت رغم التعب الذي كان ينهش أوصالي، فقد كنت كما قال محتاجا لكل جنيه، كما أننا كنا في الإجازة، وكنت أريد أن أدخر كل ما أستطيع؛ حتى أستطيع شراء الكتب عندما تبدأ الدراسة وبالفعل تجاوزت الساعة السادسة صباحا؛ وانصرف غالبية عمال الليل؛ وبدأت وردية النهار التي كان أكثر عمالها من الفتيات، ورغم الإرهاق الشديد؛ وانهماكي في رص الطاولات؛ ونقلها، إلا أن الفضول جعلني أتابع الفتيات خِلسة، كنت أريد أن أتأكد من صحة تخميناتي ، ومن خلال ثرثرة البنات التي لا تنتهي ؛ عرفت اسم كل واحدة منهن؛ ومن خلال الحرف الأول لكل اسم؛ ربطت كل واحدة بشريكها من عمال وردية الليل، لكنني لم أستطع أن أحدد بالضبط من هي الفتاة ( س )!
البنت التي تقف أما م العجانة لمحت جرذا يمشي على الحافة؛ ويكاد يسقط في العجين، ورغم أن عدد الجرذان في الفرن أكثر من عدد العمال في الورديتين؛ ورؤية الجرذان كان شيئا مألوفا داخل الفرن في ذلك الوقت، إلا أنني فوجئت بها ترتمي في أحضاني؛ وهي تصرخ بتدلل واضح! حتى أن الطاولات التي كنت أحملها كادت تقع ؛ ويقع كل العجين الذي فيها! وصك سمعي صوت ضحكات مكتومة ممن رأين هذا المشهد، ثم تراجعت الفتاة للخلف؛ وهي تتأسف على ما حدث!
في وردية الليل كنت أذهب إلى الحمام كلما اقتضى الأمر ذلك دون أي حرج، لكن في هذه الوردية حاولت أن أبتعد عن هذا المكان قدر الإمكان، لكن مثانتي كادت تنفجر؛ ولم أجد مناصا أمامي؛ فدخلت، وأغلقت الباب جيدا، وعندما هممت بالخروج وفتحت الباب فوجئت بها تنحشر داخل فتحة الباب؛ وتدفعني نحو الداخل؛ نفس الفتاة التي ارتمت في أحضاني، راودتني قشعريرة شديدة، وهي تغلق الباب خلفها! تسمَّرت في مكاني؛ وكأنني أصبت بشلل مفاجئ؛ لفحت وجهي بأنفاسها الساخنة؛ بينما كنت متجمدا كلوح الثلج لا أدري ماذا أفعل! فوجئت بها تقول لي:
- اسمعني كويس! اهرب من الفرن بسرعة، ما تضيعش وقت!
كالطفل الذي سقط في بركة ماء؛ ولا يستطيع العوم؛ سألتها بكل سذاجة:
- أهرب ليه! هو الفرن هيتحرق؟!
قرصتني في ذراعي، وهي تقول بعصبية أفزعتني:
- يا عبيط! اخرج قبل ما العقربة ( سماهر ) ترمي بلاها عليك؛ وتشرب انت الفضيحة مكان المدعوق ( صلاح )!
- سماهررررر! سين سسسسسسسسسس!!
اختفت فجأة من أمامي؛ خرجت وأغلقت الباب، وأنا في الداخل أضرب أخماسا في أسداسٍ؛ ثم سمعت صوتها، إنه نفس الصوت ولكن بنبرة أعلى:
- ( سماهر) انتي داخلة الحمام يا ( سماهر )؟!
- عندك مانع ولا إيه؟!
نافذة الحمام الخشبية كانت جديدة؛ ومتماسكة تماما؛ وكنت مرهقا جدا، ولكنني عندما ركلتها بساقي بكل ما تبقى لي من قوة انكسرت وتحطم الزجاج؛ وتناثر في كل مكان؛ واستطعت أن أقفز خارج الفرن!
لم أتقاض أجرة وردية الليل؛ ولا وردية النهار، ومع ذلك ظللت أجري في الشوارع مبتعدا عن الفرن، فقد تذكرت حديثا سمعته منذ أيام يدور بين العمال، ولم أفهم معناه إلا الآن: الأستاذ ( صلاح ) المشرف لم يترك فتاة في الفرن إلا وحام حولها كالذئب؛ ويبدو أنه أخطأ مع ( سماهر ) وثمرة الخطيئة تكبر؛ وستنكشف الفضيحة في أي لحظة؛ ويريد كبش فداء؛ ويبدو أنه لم يجد كبش فداء غيري! أما هذه البنت التي أنقذتني فهي لم تنصحني لوجه الله؛ إنها إحدى ضحاياه؛ ولم تكن تحاول إنقاذي بقدر ما كانت تحاول إيقاع هذا الذئب في شر أعماله.
تأليف / متولي بصل
دمياط - مصر