الحلقة: السادسة بعد المائة
بقلم وتصميم: زوزان صالح اليوسفي
أعتقال والدي في خريف 1978
كنا نشعر بالأطمئنان ووالدي بيننا ونحن من حوله وكنا نعتقد أنه ليس هناك ما يعكر صفو حياتنا العائلية فوجوده معنا كان من أجمل لحظات حياتنا.
في مساء إحدى الأيام من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1978 جاء أتصال لوالدي من مديرية الأمن العامة، أنهم سيحضرون للقاء به، فأستعد لأستقبالهم ولم يشأ أن يُقلقنا رغم أنه كان يبدو عليه بعض الحذر من خلال هذه المكالمة، كان والدي خلال لحظات الأنتظار في حالة من السكون، كنت أفهم مشاعر والدي حينما يكون شارداً ويفكر بأمر ما، أخذت أنظر إليه ببعض القلق، شعرتُ وكأن هناك شيء في داخلي ينبأني بأن هذه الأمسية لن تمر على خير، وهذا الشعور غالباً ما أشعر به حينما يكون هناك أمراً سيئاً يلوح في الأفق وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
في حوالي التاسعة ليلاً حضروا، أستقبلهم والدي وجلسوا في غرفة الضيوف برهة من الوقت، وبعد فترة خرج والدي ليخبر والدتي بأنهم جاءوا لأعتقاله وأنه يجهل الأسباب وأن الأمر يبدو قد صدر من المراجع العليا، وطمئنها أن لا تقلق ربما يكون مجرد تحقيق، كانت ليلة لا تُنسى صعقنا جميعنا وأرتبكت والدتي لا تعرف ماذا تُحضّر لوالدي من حاجيات..؟! لكنها كانت مسيطرة على مشاعرها حتى لا ترهبنا، فقد سبقت وإن مرت بالعديد من مثل هذه المواقف.
كانوا في أنتظار والدي في غرفة الضيوف بعد أن منحوهُ مهلة لترتيب متعلقاته، أنهارت دموعي في هذه اللحظة الصعبة، وحين بادر بالخروج ركضت إليه ورجوته أن لا يذهب..! وأخذت أسبهم بصوت عالي وكان حينها والدي أمام باب الضيوف وهم في غرفة الضيوف، بالكاد أستطاع والدي أن يُخلص نفسهُ من تشبثي به وأخذني بهدوء إلى الهول وقَبل رأسي بصمت وكانت نظرته التي لا أنساها توحي لي بألف جواب وحينها فقط ألتزمت بالصمت وأدركتُ أن الموضوع خارج عن إرادته، فرّحل بصمت وبهدوءه المعهود، وقضيتُ الليلة كلها وأنا في نار القلق على مصير أبي وأنتابتني حالة هيسترية من البكاء المتواصل.
في اليوم التالي لم نسمع شيئاً فتملكنا خوف شديد على مصيره، كنا نترقب جرس الباب أو الهاتف في أي وقت لسماع أي خبر عنهُ، وبعدها بليلة أتصل بنا والدي هاتفياً وتحدث مع والدتي وطمأنها على أحواله وأنه سوف يُرسل إليها رسالة مفصلة وطلب بعض الحاجيات الشخصية.. بعد تلك المكالمة زار أخي شيرزاد والدي وجلب لنا رسالة منهُ.
وهذه نص رسالة والدي(1): ((عزيزتي أم شيرزاد المحترمة..
تحية وأشواقاً مع وابل القبلات الحنونة للمحروسات وللمحروس شيرزاد مع تحياتي للأخت ونسيبه(2).
صحتي جيدة حمداً لله وأنا مرتاح البال والضمير والراحة التامة مع الأخوان أرجو أن لا تقلقوا من طرفي أبداً.. أستلمت رسالتك وجميع الأغراض مع الشكر.
في الليلة التي خابرتك فيها تلفونياً واجهت السيد مدير الأمن العام وقد أستقبلني ببالغ المودة والترحيب ومكثت معه في غرفته وبوحدنا قرابة ثلاثة أرباع الساعة وأعرب مقدماً عن أسفه وتأثره الشديدين بتوقيفي (حجزي) الذي تم خارج نطاق قدرته ورغبته وبشكل مفاجئ من القيادة رأساً رغم أنها لا تود إيذائك أو الإسائة إليك وهو شيء مؤقت حسبما أتصور وربما ومن المحتمل أنها قد أخذت بعض الإنطباعات حول مواقفك المتشددة وأنها لا تزال تقدر مواقفك الأخرى، وأخبرني لو كان الأمر بيده لما قام أصلاً بأستدعائي وحجزي وأخلي سبيلي حالاً وأنه يتفق معي أن حجزي لا يخدم المصلحة وأشعرني أنه يرى من المستحسن توجيه رسالة خاصة بواسطته إلى السيد الرئيس تتسم بالملاطفة.
ومن خلال حديثنا المتبادل أدركت بأن ذلك ناتج من بعض الترسبات النابعة من مواقفي الموضوعية الصريحة بإنتقاد المسؤولين وسبل وأساليب معالجة قضية شعبنا ومن رفضي لأية مسؤولية وربما من مذكرتي القديمة أيضاً وربما أيضاً من جواب رسالتي الموجهة إلى اللجنة التحضيرية الهزيلة التي أشرفت على مؤتمر أدباء الأكراد وفشلت مع المسؤولين المؤيدين لها فشلاً ذريعاً فحاولو تغطية فشلهم بسبب رسالتي كما من المحتمل أنه جرى حجزي قبل إنعقاد مؤتمر على وزارة الخارجية والقمة(3) خشية قيامي بتحرير وتقديم مذكرات إليهم وأنتقادهم أو أي نشاط آخر.
وأخبرته لا مانع من تقديم الرسالة إلى السيد الرئيس مع بيان صحة وجهة نظري حول المعالجة الجذرية السليمة لهذه القضية المهمة لضمان نجاحها الكامل لكي لا أخجل أمام ضميري وشعبي ومعه، حيث ثبت بالتجارب التي مرّت على صحة وصواب رأي الذي يخدم المصلحة العامة ومصلحة الدولة دون أية غاية أو منفعة شخصية وفعلاً في اليوم التالي قدمت رسالتين للسيد الرئيس والسيد النائب عن طريقه.
وقد شعر المسؤولين بمراعاتهم لكل ما أطلبه من الحاجات واللوازم وتأمين راحتي بقدر الإمكان مدة بقائي عندهم وحتى كلّف بإرسال سيارة خاصة يومياً عندكم لجلب كل ما أحتاجه ولكني قلت لا حاجة إلى ذلك.
أما بخصوص ما قاله الأخ شوكت(4) بأن الذين يزوروني هم السبب في ذلك فلا صحة لهذا التوهم مطلقاً، أما قوله (بأني أستحق ذلك) بسبب إنتقاد المسؤولين وسبل وأساليبهم الفاشلة في معالجة هذه القضية الحيوية - كما ثبت لحد الآن والتي لا تخدم لا مصلحتهم ولا مصلحة الشعب ولا يمكن أن أسكت عن الحق والحقيقة التي تهم مصلحة الجميع – وأخبريه بعد تحياتي إليه ليخبر بدوره المسؤولين بأني أُفضّل قضاء ما تبقى من عمري بإباء وشرف وأستشهاد في المواقف والسجون دفاعاً عن الحق والمصلحة العامة وأستجابة لصوت الواجب المقدس الذي يدفعني بحرارة وإيمان ورغبة عارمة بالدفاع عن قضية شعبنا العادلة ووضع الأسس الناجحة في سبيلها والمشاطرة معه في محنته وآلامه التي تحملتها منذ فجر شبابي قرابة الأربعين عاماً بصدق وأمانة وإخلاص.
إنهم يتوهمون جداً بأنه بالإمكان أستخدام أساليب التخويف والإرهاب والضغط عليّ أو أي أسلوب آخر لترويضي وإذلالي للركوع أمام كل مَن يريد إملاء إرادته الكيفية عليّ وعلى شعبي كائن مَن كان وعن طريق الإستجابة لوشايات الواشين والحاقدين والإنتهازيين المتطفلين اللاهثين وراء منافعهم الآثمة لتحريف الحقيقة والمصلحة ومحاولة تدميرهما ولا بد الحق والحقيقة أن ينجلي قريباً وسوف أبقى كما كنت مرفوع الرأس مهيب القامة شامخاً بسلوكي ومبدئي شموخ وصلابة جبال كوردستان الشمم وأبناً باراً لشعبي والشعب العراقي ومتفانياً في خدمتهما بصدق وإخلاص مادمت حياً.
نظراً لإحتمال عدم إخلاء سبيلي إلا بعد إنهاء مؤتمري وزراء الخارجية ومؤتمر القمة حيث ربما بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرتها آنفاً التي أدت إلى حجزي هو خشية قيامي بتحرير وإيصال مذكرات إلى رؤساء مؤتمر القمة وإنتقاد المسؤولين نظراً لقدرتي الكتابية العالية وشخصيتي المعروفة وإيقاف أي نشاط آخر لتأثير شعبيتي ومع ذلك فمن المحتمل إخلاء سبيلي في كل لحظة..)).
كانت رسالة والدي هذه كالبلسم على الجرح.. والحمد لله أطمئنينا على سلامته.
يبدو من خلال رسالة والدي أنه توقع عدة أحتمالات لأعتقاله، وقد أستنتج هذه الأحتمالات من خلال لقائه وحواره مع مدير الأمن العام (فاضل البراك) وأن أمر أعتقاله جاءت من القيادة وبقرار مفاجئ كما صرح لهُ، وهذه الأحتمالات كلها كانت واردة وهي: ربما بسبب مواقف والدي المتشددة أزاء النظام ومواقفه الصريحة بأنتقاد المسؤولين من سبل وأساليب معالجة قضية شعبنا..
أو ومن خلال رفضه لتسنم أي مسؤولية من المسؤوليات التي عرضت عليه..
أو من خلال مذكرته الجريئة التي كتبها(5)
أو من خلال جواب والدي التي وجهها إلى أتحاد الأدباء في مؤتمره الخامس.
والأحتمال الآخر الذي توقعه والدي ربما من أجل إنعقاد مؤتمر القمة للرؤساء العرب في بغداد، وخشية النظام من قيام والدي بتحرير وتقديم مذكرات إليهم، ومحاولة إصال صوته إلى مؤتمر القمة، فكما أشرتُ سابقاً كان والدي على صداقة مع أغلب هؤلاء الرؤساء والوزراء الحاضرين للقمة.. وأكبر دليل على ذلك أخلي سبيل والدي بعد أنتهاء القمة بأيام قليلة، كما أنهُ قبل أعتقال والدي وفي أحدى الأيام كنت قادمة من المدرسة وعندما دخلت البيت رأيت والدي جالساً مع شخصين في حديقة منزلنا كان يبدو عليهما ذو هيئة مميزة أدركت أنهما ليسا عراقيين.. وحينما دخلت البيت سألت أمي مَن هؤلاء الرجلين..؟ أخبرتني أنهما صحفيان من سوريا ولبنان جاءوا للقاء بوالدك.. وبعد رحيلهما سألت والدي عنهما أخبرني بنفس الرد، ولكن للأسف أكتفيت بهذا فلم أكن أستوعب حينها لأخبرهُ عن أسباب لقائهما به..! وأكد والدي لاحقاً لوالدتي أن كل تلك الأحتمالات كانت واردة.
كما طلب مدير الأمن من والدي أن يكتب مذكرة للقيادة، فلم يتردد فكتب رسالتين للبكر وصدام (كنت أتمنى لو كانت لدي مسودة تلك الرسالتين.. لكن للأسف كتبها والدي من المعتقل.. ورغم أحتفاظ والدي بمسودات كتاباته في أغلب الأوقات..إلا أنه وللأسف فأن أغلب أرشيفه في حالات المحن كانت أمي تحرقها..).
ولا أعرف معلومات من قِبل (الحركة الأشتراكية الديمقراطية) ورد فعلهم أزاء حدث أعتقال والدي فلا شك وصلت الأخبار إليهم..؟!
وهكذا هي الأقدار تعيد نفسها علينا وهذه هي ضريبة الوطن وقضية شعب هضمت حقوقه.. وأمام هذا المشهد وحين يُعتقل رب الأسرة.. ترى فجأة الكل يبتعد القريب والبعيد، وكأن البيت أصابته لعنة فمرت الأيام وكأننا في المنفى.....(يتبع).
الهوامش:
(1)النسخة الأصلية للرسالة موجودة في التصميم.
(2)الأخت يقصد عمتي أسماء، ونسيبة هي جدتي من أمي، والأثنتان كانتا يسكننا معنا.
(3)جرى مؤتمر قمة بغداد ما بيم 2- 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1978 أثر أتفاقات كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في 17 أيلول/ سبتمبر 1978في كامب ديفيد، تم التوقيع على الأتفاقيتين الإطارية في البيت الأبيض وشهدهما الرئيس جيمي كارتر، أدى إلى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
(4)يقصد والدي حينها الأستاذ شوكت عقراوي حيث زارنا صدفة لزيارة والدي.
(5)نشرتُ مقتطفات من مذكرة والدي للرئيس البكر ونائبه صدام في الحلقات السابقة.