قِصَّةً قَصِيرَةً
مَا الدَّافِع وَرَاء جُنُونِه
بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت
مَاذَا دهاك يَارَجُل ؟ ! وَقَد اسْتَخْلَف عَظِيمٌ عَقْلِك الرِّجَال ، تَسَاءل " حَسَّان " بِنَفْسِهِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهُو يضاهى نَظَرِه الرثاء لِصَدِيقِه الْوَحِيد
" ثابت" الَّذِى نَال حَتْفُه ، بمشفى الْأَمْرَاض
الْعَقْلِيَّة ، حَتَّى أَجَابَه الدكتور " نظيم " :
خُطُورِه الْأَمْر بِالطَّبْع لَهَا الْعَوَاقِب .
خَرَج " حسان" عَنْ حَالِهِ التَّعَجُّب الَّتِى كَانَتْ تمتلك قُوَاه الْعَقْلِيَّة ، قَائِلًا بِعُنْف :
أَىّ شَيْطَانٌ هَذَا ؟ ! الَّذِى قَلْب عَقْلُه رَأْسٍ عَلَى عَقِبٍ .
صَرَخ " ثابت" صرختا مُدَوِّيَة ، فَزِع مِنْهَا
الْجَمِيع ، حَتَّى قَالَ مختبئاً ، خَلْف تَاج الْمُرْقِد السُّفْلَى ، بِعُيون جَحَظ مِنْهَا الزُّعْر :
اِحْتَرَس أَنَّهُم قناصة ، أَعْرِف يكدون لِى ، البورصة ، حَان وَضْعُ كُلِّ الْأَمْوَالِ ، المشيليات ، لَا لَا أَنَا رجلاً مُسَالِم ، لَا أَهْدَر الْأَمْوَال الْعَامَّة ، قَالُوا لِى كَذَلِك ، خَوَنَةٌ خَوَنَةٌ متواطئين ،
متواطئين كُلُّهُمْ كَذَلِكَ .
اِقْتَرَب "حسان" مِنْ صَدِيقِهِ الْوَحِيد " ثابت" وَكَاد الدَّمْع يُعَانِق الْمُقِلّ بِحَالِهِ مِنْ الشَّجَن ، يَسْتَوْطِن الْقَلْب بِالْوَجْه إِثرَاءٌ مَا حَدَثَ خَلْف
الْبَلَاء ، وَتَلَثُّمٌ بِالْحُزْن يُخَاطَب الطَّبِيب أَدْنَاه :
لاَ أَدْرِى ، مَاذَا حَدَثَ لَك ياصديقى ؟ !
صُمْت الدكتور " نظيم "متفكرا لَحْظَة , يَفْرَك أَسْفَل وَجْه قَائِلًا بفطنة :
تَلاعَب الْآخَرِين بِعَقْل هَذَا الرَّجُلُ .
تُنْكِر " حَسَّان " نافياً :
كَيْفَ ذَلِكَ ؟ ! وَأَنَا الصِّدِّيق الصَّدُوق لَه ، وَإِنْ كَانَ مَتَى ؟ !
. . .
نُحِت " فَرِيد " أَدِيمِ الْأَرْضِ ذهاباً وإياباً ، يَزْرَع
الأَشْوَاك فِى الْفَضِيلَة ، وَيَرَى مَاذَا سَيَفْعَل ؟ ! تُجَاه وَالِدِه الَّذِى أَثْبَت بِالْأَدِلَّة ، أَنَّهُ قَدْ فُقِدَ عَقْلَهُ ، وَقَالَ وَهُوَ يُنَمِّق بَعْض وُرَيْقَاتٌ كَانَتْ بَيْنَ
أَنَامِلِه :
الْإِثْبَات وَالدَّلِيل دَائِمًا ، الْإِثْبَات وَالدَّلِيل .
ارْتَفَع ذَلِكَ الصَّوْتِ الَّذِى كَانَ يُتَابِع فِى صُمْت ،
قَائِلًا بحزر :
هَل الْأَوْرَاق ستدلى وَتَشَهَّد ، أَنَّ الرَّجُلَ فَقَدْ قَوَّاهُ الْعَقْلِيَّة .
نَظَرِه " فَرِيد " نَظَرِه صَامَتْهُ مِنْ الْمُعَانَى قائلاً :
عَمًى "جلال " اعْتَقَدَ ذَلِكَ .
تَحَرَّك الرَّجُل بكرسية الْمُتَحَرِّك ، وَبَاتَت نَظَرِه متفكرة عَمِيقَةٌ تَسْكُن بِالْمِثْل ، حَتَّى قَالَ :
كَيْفَ يَصِلُ بِنَا الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ يابنى ؟ !
قال" جَلَال " وَهُوَ يَشْعُرُ بِالنَّدَم وَالِاسْتِسْلَام لِلْأَمْر :
هَلْ هُنَاكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ؟ ! فَقَدْ أَبَى عَقْلُه ، وَأَمْوَالُه المتبقية سَتَكُون تَحْت طَائِلَة يَد القَانُون ، فَمَا إمَامِنَا غَيْر الْحِكْر .
اِقْتَرَبَ مِنْهُ الرَّجُلُ المتقاعد ، يُرَتِّب مَنْكِبِه ،
قَائِلًا :
الْبَرَكَة بِك يابنى .
. . .
الْتَقَط "حسان" أَنْفَاسَه ، وَهُوَ يُقَدِّمُ بَعْض الْأَوْرَاق إلَى الطَّبِيبِ " نظيم " ملوحا
بِالْإِرْشَاد وَالْإِثْبَات :
هَذِه بِضْع وُرَيْقَاتٌ تَشْهَد بِالْأَدِلَّة الْقَاطِعَة ، أَن صديقى الْوَحِيد " ثابت" حَقًّا فَقَدْ قَوَّاهُ الْعَقْلِيَّة وَكُلّ الْأَوْرَاق مِنْ الْبِلَادِ الَّتِى كَانَ
يُعَالِجُ بِهَا .
اتَّخَذ الطَّبِيب وَضْعًا يَمُنّ عَنْ تَأْيِيدٍ الصِّدِّيق بِالْمُوَافَقَة ، بَعْدَمَا تَأَكَّدَ مِنَ صِحَّةِ الْأَوْرَاق الْمُقَدِّمَة ، وَكَانَ لَهُ التَّوْقِيع الَّذِى شَهِدَ بِهِ ، أَنَّ حَالَةَ الرَّجُل هِى الْجُنُون .
. . .
جَلَسَت "عفاف " تحتسي كُوبا مِن الْعَصِير المثلج ، حَتّى قَالَتْ لَهَا " نادية" بِكُلّ فَخْر :
لَن أَشْهَدَ بَعْدَ الْيَوْمِ إلَّا لَكَ .
قَالَت " عَفاف " بِقُوَّة النَّصْر :
أَلَم تَعْلَمِين أَن كيدهن عَظِيمٌ ؟ !
قَالَت نَادِيه :
بِهَذَا التَّخْطِيط ، تاللهى لَمْ أَعْلَمْ إلَّا الْيَوْمَ .
قَالَت " عفاف" وَهَى تَنْظُر الْبَرَاح :
أَكْثَر اللَّذَيْن يَقَعُون شِرْكٌ غرورهم ، هُم الرِّجَال الحذاقة .
قَالَت " نَادِيه " :
صَنِيعِك ، وَأَنْت بِلَا أَدْنَى ظِلال بِالْأَمْر .
اعْتَرَضَت " عَفاف " قَائِلُه بِغَضَب :
جُزْءًا الْخِيَانَة الْخِيَانَة ، و" ثَابِت " خَان الْجَمِيع ، وَكَانَ عَلَى الْجَمِيعِ خِيَانَتُه " حَسَّان " عِنْدَمَا جَلْب الْأَوْرَاق الْمُلَفِّقَة إلَى الطَّبِيبِ لِإِثْبَات جُنُون صَدِيقِه الْوَحِيد ، وَإِقَامَة دَعْوَة الْحِكْر مِنْ ابْنِ " ثَابِت " الْوَحِيد ، للأستلاء
عَلَى ماتبقى مِنْ ثَرْوَتِهِ ، وَمُعَاوَنَة عَمِّه الْوَحِيد لَه ، الَّذِى كَانَ يَكُن الْعَدَّاء إلَيْهِ مِنْ الْقَدَمِ .
تريست " نَادِيه " قَلِيلًا وَأَفَاض مِنْهَا التَّطَفُّل متسائلة :
مَا الدَّافِع وَرَاء جُنُونِه ؟ !
" عَفاف " كَأَنَّهَا تَنَظَّم حَيَاة الْأَكْوَان :
خِلَاف الاسْتِحْوَاذُ عَلَى الدَّاءِ ، مَسِيرَة لِتَلَاعُب بِالْعُقُول ، الْإِقْنَاع وَالدَّقّ عَلَى ناقوص الجَشِع وَالْخَوْف وَالرَّهْبَة وَالرُّعْب وَالِاعْتِقَاد " ثَابِت " كَانَ طَرِيقُهُ اللَّغَط وَالِاعْوِجَاج ، وَقَرِيحَةٌ
رَغْبَتُه كَانَتْ الْمَرْأَةُ ، وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ هِى الَّتِى
أَتَمَّت الْجُنُون ، لِهَذِه الشَّخْصِيَّة المزاجية .
انبهرت " نَادِيه " :
ياللهى ، يالشدة انتقامك مِن الْمُخَادِعِين .
قَالَت " عفاف" تُنْفَى الاتِّهَام عَنْهَا :
مَا ذَنْبِى ؟ ! هَذَا نَاتِجٌ وَلَعِه الشَّدِيد بِالنِّسَاء .
أَتَمَّت " نَادِيه " :
يالَها مِنْ امْرَأَةٍ .
"عفاف" تبتسم بخبث :
امْرَأَةٍ لَمْ يُولَدْ أَمْثَالِهَا فِى هَذِهِ الْأَيَّامِ .