إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 7 سبتمبر 2020

الحلقة: الرابعة بعد المائة بقلم وتصميم: زوزان صالح اليوسفي


 الحلقة: الرابعة بعد المائة

بقلم وتصميم: زوزان صالح اليوسفي


في عام 1978 واجه والدي محنتين خلال مرحلة نضاله السياسي في تلك الفترة، المحنة الأولى كانت واقعة هكاري في صيف 1978، والثانية كان أعتقال والدي في خريف 1978. 

لا بد من العودة مرة أخرى قليلاً لكي نوضح بعض الأحداث والظروف والأخطاء التي حدثت خلال هذه المرحلة التاريخية المهمة من نضال الشعب الكوردي.

كانت الفترة ما بعد نكسة 1975 تعتبر من أصعب الفترات والمراحل التي مرت على تاريخ السياسي للحركة الكوردية، لا على صعيد الحركة الكوردية في كوردستان العراق بل وحتى أثرت في باقي أجزاء كوردستان، فحصلت من خلالها مستجدات على الساحة السياسية الكوردية بشكل عام وعلى الساحة السياسية في كوردستان العراق بشكل خاص، وبما أن مصيرنا يرتبط مع بعضها البعض لابد من التطرق ولو بشكل عابر إلى تلك التغيرات التي توقعها والدي وأشار إليها في عدة مناسبات. 

ففي باقي أجزاء كوردستان نرى إنقسام الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا إلى عدة أحزاب، وفي كردستان تركيا ظهرت مجموعة من الأحزاب الكردية ذات نهج ماركسي، وفي إيران ظهرت جماعة (كومله) إضافة إلى حزب الديمقراطي الكردي الإيراني، أما في كوردستان العراق وكما أشرت في الحلقات السابقة فقد تشتت القيادة الكوردية بعد النكسة المؤلمة عام 1975، وبعد فترة أضطر الزعيم ملا مصطفى البارزاني السفر إلى أمريكا للعلاج بعد أن أشتد به المرض برفقة نجليه السيدين مسعود وأدريس البارزاني والسيد محسن دزه يئ، أما القيادات الأخرى فالبعض منهم غادر إلى بيروت ومن ثم قرروا العودة إلى العراق والبعض الآخر لجأوا إلى الدول الغربية والبعض أستقروا في سوريا.

وكما أشرت في الحلقتين السابقتين ظهرت حركات وأحزاب ومنظمات في كوردستان العراق، كالحركة الأشتراكية الكوردستانية التي أسسسها والدي مع قيادات مناضلة سياسية وعسكرية، و(الكومله - عصبة كادحي كردستان) بقيادة الشهيد آرام، وفي داخل حدود سوريا تأسس الحزب الأتحاد الوطني بقيادة السيد جلال الطالباني.

أما بالنسبة للحزب الديمقراطي الكردستاني ففي نهاية عام 1975عاد الحزب نشاطه على الساحة السياسية وتأسست القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة السيدين مسعود وأدريس البارزاني والسيد سامي عبد الرحمن، وفي عام 1977 تأسست اللجنة التحضرية للحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة الدكتور محمود عثمان، ولا أعرف أسباب هذا الإنقسام في الحزب.. هل كانت بقرارات ودوافع شخصية أو بتحريض من الدول الأقليمية أو بالتدخلات الخارجية.. ولكن على كل حال فأنا أستغرب..! فقد عرض والدي بعد أتفاقية 6 آذار 1975على القيادة ونصحهم بأن يستمروا في القيادة والمقاومة.. ولكن رفض أقتراحه بكل إصرار..! ثم بعد أشهر قليلة وفي نهايات 1975 عادوا إلى تطبيق أقتراح والدي..؟! 


هذه التجزئات التي حدثت في واقع الحركة الكوردية الجديدة حينها، كانت تسعد أنظمة الدول الثلاثة (تركيا وإيران والعراق) فتعاونت هذه الدول الثلاثة لغرض إضعاف وتهميش الحركة الكردية ومنع ظهور ثورة كردية شعبية موحدة قوية كما كانت سابقاً، وحاولت على خلق المشاكل والخلافات بين الأحزاب والتكلات الكردية التي ظهرت سواء علناً أو في الخفاء وأخذت تحرضهم على الأقتتال الأخوي وإشعال نار الفتن فيما بينها لكي لا يستطيع حزب واحد من السيطرة على الساحة السياسية والعسكرية ويكتسب القوة والأستمرار، وكانت الأجواء حينها وبسبب النكسة مساعدة على خلق مثل هذه المشاكل والخلافات للأسف، حيث ظهر طموح لدى بعض القيادات للأستحواذ على السلطة وملئ الفراغ الذي تركتهُ القيادة السابقة.. وكلٌ منهم يحاول من جانبه الفوز على الآخر وكلٌ منهم يحق لنفسه شرف القيادة.

وأشار الأستاذ علي سنجاري على التدخلات الأقليمية: (( أخذت بعض الدول الأقليمية تتدخل في هذا الصراع وكل حسب مصالحه وحساباته السياسية وأهدافه المعادية للكورد وكودستان والبعض يشجع هذا الطرف ضد الطرف الآخر وتقديم بعض الدعم للطرفين في آن واحد وبخاصة إيران..(1))). 


واقعة هكاري...

يذكر الأستاذ شكيب عقراوي: (( في بداية عام 1976 أرسل الزعيم مسعود البارزاني كلا من جوهر نامق وكريم سنجاري إلى هذه المنطقة لغرض إنشاء مقر في إحدى القرى الواقعة على الحدود مع كوردستان العراق للقيام بنشاط سياسي وعسكري إلى منطقة كردستان العراق، وبعد وضع مقر للحزب الديمقراطي الكردستاني (القيادة المؤقتة) في المنطقة وفي داخل أراضي الدولة التركية المجاورة لمنطقة (برواري) بقضاء العمادية فأن مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني سيطروا على منافذ العبور وطرق السابلة التي كانت تربط ولاية هكاري بكردستان العراق والتي كانت تعتبر في ذلك الوقت من المنافذ الرئيسية لتسلل حركة الثوار الأكراد والنشاط السري إلى كوردستان العراق..(2))). 

من أبرز المواجهات الصعبة خلال تلك الفترة في نفوس الشعب الكوردي كانت واقعة هكاري.. تلك الحرب الأهلية، ففي صيف عام 1978 مرت محنة كبيرة على الحركة الكوردية نتيجة الصراع والأقتتال الداخلي الذي حدث بين القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني وبين مجموعة من قيادات الحركة الأشتراكية الكوردستانية، التي كانت حينها ما زالت البعض من قياداتها على توافق شكلي مع الأتحاد الوطني الكوردستاني، فتوجهت قوة كبيرة بقيادة علي عسكري ود. خالد سعيد وحسين بابا شيخ والملازم طاهر علي والي وسيد كاك ومجموعة من القياديين والبيشمركة من السليمانية وأربيل نحو منطقة بادينان في محافظة دهوك وفي جنوب غرب تركيا (هكاري) وذلك من أجل الحصول على بعض الأسلحة التي كانت تأتي عن طريق سوريا عبر الحدود.  

يذكر الأستاذ كفاح حسن عن هذه الحادثة قائلاً: (( كانت مشكلة فصائل البيشمركة وقتذاك شحة السلاح والعتاد. فعرض جلال على دكتور خالد الذهاب مع مفرزة كبيرة من سوران إلى هكاري لجلب وجبة سلاح من هناك. وسارع دكتور سعيد فرحا لجمع البيشمركة في مفرزة كبيرة لجلب السلاح.. وفي نفس الوقت وصل خبر إلى مفرزة القيادة المؤقتة في بادينان بقيادة إدريس البارزاني وسامي عبد الرحمن بأن مفرزة كبيرة معادية من سوران في طريقها إليهم وعليهم المسارعة بضربها. وكانت معركة هكاري غير المتكافئة، والتي إستشهد فيها ببطولة دكتور خالد ورفاقه. معركة أزاحت من أمام جلال منافس كبير على الزعامة..(3))).

ونقلاً عن الأستاذ شكيب عقراوي يذكر:(( أما الأستاذ صالح اليوسفي فكان يقيم في بغداد في ذلك الوقت وبصورة عملية فأنه لم يستطيع التدخل لمنع الحرب الأهلية. كما أن الحركة الأشتراكية الكردستانية في ذلك الوقت كانت تعمل بالتعاون مع الأتحاد الوطني الكوردستاني. ولم تأخذ قيادة الحركة الأشتراكية الكردستانية موافقة صالح اليوسفي حول موضوع الهجوم على مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني في منطقة هكاري في شهر حزيران 1978 (4))).

يبدو هنا واضحاً ومن خلال تصريح الأستاذ شكيب أن تلك القيادات في الحركة التي جازفت من خلال هذه المحاولة.. لم يأخذوا برأي والدي وأستعجلوا في قرارهم وبتشجيع وتحريضات من جهات وقيادات أخرى..؟! فأن المبادرة بمثل هذه الخطوة الكبيرة (كصفقة أسلحة وفي تلك الظروف..!) كان لابد من وجود خبرة ودراسة دقيقة قبل تنفيذها تحذراً من النتائج السلبية.. فلو كانوا أستشاروا والدي قبل القيام والمجازفة بهذه الخطوة.. فلا شك كان حذرهم والدي من التسرع في مثل هذا القرار والمجازفة وبدخول الأراضي التركية دون ترتيبات مسبقة مع الجماعة الثانية بشكل سلمي وتفاوضي أولاً ثم البدأ بالمرحلة التي تليها ومن تلك الخطوة.. ولا شك كان يعرف والدي جيداً وببعد نظره لمثل هذه الأمور وتوقعاته للنتائج والردود السلبية.. 

في الحقيقة وبحكم عمري حينها لم أعرف شيئاً عن تلك الواقعة أو عن رأي والدي، ولكن لا شك أن الحادثة ألمت والدي كثيراً خاصة كان ضمن المجموعة شخصيات من خيرة القياديين السياسيين والعسكريين في الحركة، وكان أمله كبيراً بخبرة الشهيد علي عسكري في القيادة العسكرية هذا ما كنت أحياناً أسمعها من والدي ونقلاً أيضاً من بعض الشهادات، وأستطعت العثور من خلال مقتطف من رسالة والدي يعبر من خلالها عن مدى ألمه وتأسفه على خسارة خيرة القادة العسكريين من خلال هذه الحادثة المؤسفة فوالدي المعروف بمدى كرهه للقتال وإراقة الدماء وحبه للسلام.. فكيف الحال إذا كان هذا الأقتتال بين الأخوة..؟! ورغم ذلك يبدو من خلال مقتطف والدي كان يحث جماعته على ضبط النفس وعدم التمادي في الردود السلبية والمواجهة وإن لا يحملوا الأشخاص البسطاء أية مسؤولية وأن يبتعدوا عن روح الأنتقام، إلا من خلال واجب الدفاع عن النفس.... وقد ذكر والدي من خلال مقتطفه: ((رغم................ اغتيال المناضلين علي وخالد وحسين فمن المصلحة وتقديراً ل ب- م (البسطاء منهم) منها أرى ضرورة تحاشى الأصطدام المسلح معها.................).....يتبع


المصادر والهوامش:

(1)علي سنجاري - القضية الكوردية وحزب البعث العربي الأشتراكي في العراق - ص 202

(2)شكيب عقراوي - سنوات المحنة في كردستان -  ص 455

(3)كفاح حسن في مجلس الفاتحة على روح جلال الطالباني - حوار المتمدن.

(4) شكيب عقراوي - سنوات المحنة في كردستان -  ص 454

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...