إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 19 مايو 2020

السماح بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

السماح
بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

تَهَكَّم الْقَدْر حِين جَاءَت خُيُوط الشَّمْس المبهجة تَجْذِب الْأَعْصَاب الْحَادَّة لِعُمَر الشَّبَاب اليانع ، تَلْتَمِع عَلَى أَجْسَادُهُم المثقولة يَحْظَى مِنْهَا الْجَبَرُوت وَالْقُوَّة بِنُفُوسِهِم حَتَّى الْغُرُور ، تَصْرُخ :

كُسِرَت الْقُيُود وَلَا غَيْرِ الْعُبُودِيَّة و نَحْن بَنَاه التَّمَلُّك وَالْجُحُود ، الْآن وَالْمُسْتَقْبَل لَنَا .

نَظَرِه مفعمة بِالْحَمَاس فَاض عُمْرِهَا الدَّهْر ، سُرْعَانَ مَا انْقَلَبَتْ لِدَمْعِه مُسَالَمَة ، حِينَ نَظَرَ الرَّجُلِ الْمُقَيَّد بكرسية الْمُتَحَرِّك ، مِن نَافِذَةٌ الاِسْتِسْلاَم صَوْب هَؤُلَاء الشَّبَاب يقفزون ويمرحون ، وَقَد سَلْب مِنْ قُلُوبِهِمْ الرَّحْمَة وَمَاتَت مَشَاعِرِهِم وَتَغْلِب عَلَيْهِم الْكِبْر وَزَيَّف الْحُرِّيَّة ، حِينَمَا اِسْتَعْرَض كُلًّا مِنْهُمَا يُفْرَض قُوَّة بُنْيَانِه .

حَتَّى أَشَار الْمِسْكِين رَفْعًا احدي يَدِاه النحيفة بِحَرَكَة بَطِيئَة ، يَدًا كَانَتْ مِنْ أَرْبَعُون عَام غَلِيظَة الْقُوَّة شريرة الْعِقَاب ، تَنَبَّهَ لَهُ الِابْن الْوَحِيد " جاثر"
حَتَّى قَالَ الْعَجُوز كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ بِكُلّ الذلّ وَالْهَوَان :

زَائل .

نَظَرٌ "جاثر" باستهانة يَكِيل ظِلّ الْمِسْكِين بِالسُّخْرِيَة ، مُعَقِّبًا بِكَلِمَات لاَذِعَة ملوحا لَه بِكَمَال الْغَضَب :

إنْ لَمْ تَتَحَدّث بِصَحِيح الْكَلِمَات فلتصمت .

ظَرْفٌ دَمْعُه ساخنة نُحِتَت وَجْهًا ، كَان مُنْذ الدَّهْر صَارِمٌ الْمَلاَمِح وعنيد الرأى صَاحِب السُّلْطَة ، اِهْتَزَّت يَدَاه وانكمشت وزاغت رُؤْيَتِه ، وَصُمْت والمذلة تَتَدَلَّى متفصدة بِمُهَانَة ، حَتَّى قَضَّب مَا بَيْنَ حجباة واللتوت شَفَتَاه مِثْل الطِّفْل .

اِرْتَوَت مِنْه الْأَقْدَار وَتَحَوَّلَت الْأَزْمَان بِنَظَرِه صَغِيرَة مُؤْلِمَة ، حِين تَحَسَّس " جاثر" مَوْضِع كَوّاء مَنْكِبِه بِآلَة حَادَّة وَتَسَاءَل :

هَلْ كُنْت اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِلَا أَدْنَى جَرَم ؟ !

وَتَمَنَّى لَو يُرِي هَذَا الْعَجُوز يَمُوت أَلْفَ مَرَّةٍ .

اِنْقَشَعَت الشَّمْس بِرُؤْيَة حَتَّى لَوَّحَت لَه الْأَقْدَار
:
الْيَوْم لَك وَغَدًا عَلَيْك .

حَتَّى اِنْصَهَر الجَلِيد وَأَرْشِد السَّمَاح بِقَلْب الِابْن نَحْو أَبَاه جَلِيس الْكُرْسِيّ الْمُتَحَرِّك ، يُحَدِّثُه مُتَعَقَّبٌ السَّحْب :

يَتَلَاشَى الظُّلْم يَا أُبَيّ مَهْمَا كَانَتْ شِدَّة الرِّيَاح .

مَالَت رَأْس الْعَجُوز تَتَبَّع الْأُفُق ، بِعُيون بهتت ، إلَّا مِنْ مَآقِي تَكَحَّلَت بِمَاء اليئس ، يُحَاوِل يَتَعَكَّز بِكَلِمَة :

السَّمَاح .

اِسْتَكان الْفَتَى برفات حَضَن أَبِيه يَبْتَسِم بِصَدَقَة جَارِيَة ، قَائِلًا بِعَطْف :

الْآن فَقَط تَعَلَّمْت السَّمَاح .

تَكَوَّم الْعَجُوز بِوَهَن وغفى فِى رِحَاب الطُّمَأْنِينَة ، إلَّا مِنْ لاذِعٌ الذِّكْرَى وَمَرّ الْمَوَاقِف المؤلمة تطاردة كالاشباح . .
   ‎

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...