إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 2 أبريل 2020

مَسْرَحِيَّة مِيلُودراما تِلْكَ النَّظْرَة بِالرَّاحَة وَثِيرَة  بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

مَسْرَحِيَّة مِيلُودراما

تِلْكَ النَّظْرَة بِالرَّاحَة وَثِيرَة 
بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

الشُّخُوص

يَقِف فَتًى ثلاثينى عَلَى خَشَبَةٍ الْمَسْرَح ، مَعَهُ بَعْضَ الزُّهُور الْبَيْضَاء .

جُثَّة لِرَجُل كَبِيرٌ مُلْتَفَّة بِكَفَن أَبْيَض ، عَلَى سَرِيرٍ المشفى .

يَقِف الْفَتَى العشرينى يُحْمَل بَعْض الزُّهُور الْبَيْضَاء بَيْن زرعاه ، يَقْتَرِب مِن جُثَّة أَبِيه ، مُلْقَاةً عَلَى مُرْقِدًا بالمشفى .

يَنْظُر الِابْنِ لِأَبِيهِ مطولاً ، ثُمّ يَبْتَعِد خُطُوَات ، كَأَنَّه يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بسخرية :

كُنْتُ أَرَى مُنْذ بَاعَ تِلْكَ النَّظْرَة بِالرَّاحَة وَثِيرَة ، طَالَمَا قَالَت نَفْسِك :
أننى الْمُهَاجِم وَالْعَدُوّ لَك دوماً .

كَيْف لِنَفْسِي أَنْ تَكُونَ عَدُوًّا لَك ؟ ! وَأَنْتَ يَا أَبِى الْعَزِيز ، عَزِيزٌ .

كَيْفَ يَكُونُ الْأَبُ فِى عَيْن ابْنِه الْوَحِيد ؟ ! طَرِيق هَلَاك .

يَقْتَرِب بِعُيون الحَنِيَّة يُتَمْتِم :

السِّتّ أَنْت أَدِيم الْمُسْتَقْبَل ؟ ! أَم أَرَانِى وَاهَمّ .

يَبْتَعِد مُنْدَفِعا :

يَقُولُونَ إنّ الْأَبَ هُوَ مرسخ بِنَاء الأَجْيَال ، أَنَا لَسْت مِنْ أَجْيَالٌ هَذَا الوَطَنِ ، جَرَّاء الترحيل لِبِلَاد أُخْرَى ، فُقِدَت مَعْنَى الوَطَن ، بَحَثْت عَنْك ، دَبّ الْخَوْف بِأَقْوَالِهِم والرثاء ، قَال الْجَمِيع :
مَات أَبِيك .

الْآنَ بَعْدَ عِشْرُون ثَقُل وضنى ، قَالُوا :
يَمُوت أَبِيك .

اعْلَمْ أَنَّك لَمْ تَمُتْ وَقَدْ أتَيْتَ لأسئلك .

يَقْتَرِب الْفَتَى مِنْ جُثَّة أَبِيه المسجية ، يُخَاطَب بهمس :

لِمَاذَا تَخَلَّصْت مِنًى ؟ ! هَل أَصْبَحْت حَيَاتِك أَكْثَر حُرِّيَّة وَرَاحَة ، تَخَلَّصْت مِن قيودك فِى شَخْصٌ ابْنَك الْوَحِيد ، تَرَى مِنْ هَذَا الِابْنِ الْوَحِيد الْجَبَّار ؟ ! لتتخلص مِنْه .

فركت عيناى مُنْذ عِشْرُون عَام ، قَالَ لِى صَاحِبُ الْعَمَلِ ساخراً :

مَاذَا أَتَى بِك إلَى هُنَا ؟ ! يَا ابْنَ الْعَشَرَة أَعْوَام .

بَكَيْت وَنَظَرْت حَوْلِ ، صَرَخَت بَحَثْت عَنْك فِى كُلِّ جِوَار ، أجهرت :

أَبِى أَبِى ، أَيْنَ أَنْتَ يَا أَبِى ؟ !

قَال الْغَرِيب يُصَوِّب أُصْبُعَه :

أَنْتَ غُلَامٌ فَقَدْ أَبِيه .

كَيْف فُقِدَت أَبِى ؟ ! أَبِى حَىّ .

قَال الْغَرِيب :

أَبِيك حَىّ وَأَنْت أَصْبَحْت مَيِّت .

مَات ابْنَك الْوَحِيد يَا أَبِى ، مِن عِشْرُون عَام ، كُنْتُ فِى عِدَاد الْأَمْوَات .

أَنْت هُنَا أَلْحَى ، وَأَنَا هُنَاك مَيِّت .

لَمْ تَغْرُبْ عَنْ عيونى يوماً ، لَم اتناسي ملامحك وَأَدَقّ الْأَشْيَاء ، كُرْسِيَّك الهزاز ، وغليونك مُتَكَاثِف الأدخنة الزَّرْقَاء ، عَبِق مِن الْأَمَان وَالسَّكِينَة بروحى برغم جحودك والاسي مِنْك ، كُنْت دَائِمًا مُكْفَهِرَّا ، زاعق متذمرا ، تَرَى يَا أَبِى لِمَاذَا كُنْت متذمرا ؟ !

راودتنى الْكَثِيرِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ ، كُنْت أَوَدّ أَن احاصرك بِهَا ، لَكِنِّى تفاجأت بِهَذَا الْيَوْمِ بفقدانك ، قَالُوا الْبَعْض :

بَاعَك أَبِيك لرجلا بِالْخَارِج يَحْتَاج عُمَّالِه .

وَقَالَ الْبَعْضُ :

مِسْكِين أَيُّهَا الْغُلَامُ ، مَات أَبِيك .

تحسست مقعدى رَأَيْته بَارِد ، واحتضنت نَفْسِي أَطْيَب خاطرى ، كُنْت عِنْدَمَا أَتَذْكُر رحيلك بِالسَّمَاء ادَّعَوْا لَك ، وَعِنْدَمَا أَرَاك هجرتنى لتتخلص مِنًى ، كُنْت أَتَسْأَل :
مَاذَا أَنَا فَعَلْت ؟ ! وَمَا السَّبَبُ وَرَاءَ ذَلِكَ .

كَانَت تَطْغَى بِى الْأَجْوِبَة السَّخِيفَة :

رُبَّمَا ، لِأَنَّك كُنْت تُكْرَه أمى ، رُبَّمَا لِأَنَّك تَعَشَّق الْحُرِّيَّة ، رُبَّمَا لِأَنَّك انانى ، رُبَّمَا لِأَنَّكَ لَا تَتَمَسَّك بِالِاعْتِرَاف ، رُبَّمَا لِأَنَّك تكرهنى .

هَل تَسْمَعُنِي ؟ ! وَأَنْت الرَّاقِد بالمشفى هَذَا ،

جُثَّة هَامِدَة .

مَا الَّذِى دفعك لترحل أبنك ؟ ! لِبِلَاد أُخْرَى ، وَإِنَّا لَمْ اِكْتَمَل مِن النضوج بَعْد .

مَنْ قَالَ لَك ؟ ! أَن تَتَخَلَّص مِنًى .

نَفْسِكَ أَمْ هُم ، مَنْ يَسْتَطِيعُ فِى الْعَالِم ؟ ! أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ ابْنِهِ ، ويلقية بأبشع الطَّرِيق يَرْحَل .

أَجِب وَقُل الْحَقِيقَة ، يَبْتَعِد الِابْن كَأَنَّه تَفاجَأ :

كَيْف ستتحدث وَأَنْت مَيِّت ؟ ! وَإِنْ كُنْت حَيّ هَل ستتحدث ، لَا أَظُنُّ .

إذَا أَنْتَ مَيِّت فِى كُلِّ الْأَحْوَالِ .

يَقْتَرِب الِابْن وَيَكْشِف غِطَاء الْجُثَّة مصدوما متروعا ، يَجْهَر مصعوقا :

يالا بَشَاعَةٌ وَجْهَك ، أَفْصَح لِى عَنْ مَنْ أَرَاه ؟ !

وبدى لَغَط الْأَسْمَاع وَضَوَى خَبَث السِّيرَة مُوجِبَةٌ ، مَاذَا فَعَلْت بدنياك يَا رَجُلُ ؟ !

قَالُوا الْبَعْض إِنَّك قَاتَل ، قَتَلْت آلَاف الأبرياء ، وَأُخِذَت عُمُوم الْحُقُوق ، وَأُلْحِقَت الفُرَص لِنَفْسِك بِالانْتِهازِيَّة ، هَلْ أَرَى نَفْسِى كَذَبْت بِالْإِفْصَاح عَنْك ، كُنْت أَدْرَك سُوء ضَالَّتَك واتنكر ، أَيُّهَا الْبَارّ بالرزيلة .

أَرَاك تتساءل ، لِمَاذَا أَتَيْت وَأَنَا كَارِهٌ .

إنْ كُنْت تُدْرَك الْحَقِيقَة وَتَرَى بفطنك ، لَكُنْت زُرِعَت بَذْرِه ضَالَّة فِى أَرْضٍ بُورٌ ، إنَّمَا اعماك اللَّه وزرعت بذرتك بِأَرْض الصَّالِحِين ، وَهَذَا مَا جلبنى لأودعك بمثواك الْأَخِير .

تَعَلَّمْت يَا أَبَى أَنْ الْأُبُوَّة لَن تَعَوَّض ، رُبَّمَا تركتنى أَوْ قُمْت بِبَيْع ابْنَك فِى سُوق الرَّقِيق ، إنَّمَا يَا أَبِى أَبَدًا لَن تَبِيعٌ حَقِّ الْوَالِدِ عَلِيًّا ، وحقك الَّذِى سافدية بعمرى .

يَقِف الِابْن متوجهاً بِظَهْرِه نَحْو جُثَّة الْأَب :
الْآن عَلَيْك الرَّحِيل ، أَنَا اسامحك ، وَإِنْ قَالَتْ نَفْسِي :

أَيْن الْمَاضِي وَسُوء الْمَصِير ؟ !

سَأَقُول لَهَا :

مَا بِالْيَد إِلَّا الْخَيْرَ وَلَن يُخْلِف الْمَكْتُوب مِمَّا هُيِّئَت لَنَا الْأَقْدَار إلَّا الصَّلَاح وَالثَّوَاب بِشَأْنِه ، وَالْأَرْوَاح يَا أَبِى تَحْيَا عِنْد مُقْتَضَى نُصَيْر .

تَمَّت
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...