رسالة تذروها الرّيحُ ( ١٤ )
..................................
قصيرًا كانَ حُلُمي بعمر الرّحيق .. غضيضًا بطراوةِ الرَّيحان ..أمّي لم تكنْ لِترى النّجومَ كَما أراها، إذ كانتْ تتوزّعُني على الضّوءِ حتّى ينشَقَّ القمرُ من عينيّ .. لمْ تكنْ لِتَطوفَ حولَ الورودِ وتحدّدَ أعمارَها .. لم تكنْ لِتراني حين كنتُ طفلةً تحملُ أتونَ السؤالِ.. وتخمِّنُ في سرِّها صورَ المستحيلِ وألوانَ الممكنِ وأشكالَ الاحتمالِ، وتراوغُ كلَّ أوزارِ المعاني .. طفلةٌ تنامُ في حِكايةٍ لا أحفادَ لها من زمنِ الجَدّاتِ؛... أمي لم تكنْ لتراني حين كان الليلُ ينعسُ في عيوني فأتلحّفُ غطائي وألقي برأسي على كَتِفِ القصيدةِ .. وحين يستكينُ الصمتُ في رئتي، وحين يستصرِخُني الخيالُ ، فأصهلُ من خاصرتي .. أسابقُ المللَ الهاربَ من دمي كي أنسُجَ الأفقَ، وشآبيبَ الحكمةِ، وأفكَّ شَيفرةَ الوُجود ..
وما كانت تراني أمي؛ حين كنتُ أعبرُ بكاءَ النوافذِ، وأتسلّلُ واللهاثَ إلى الغيابِ والمطر .. ولم تكنْ لِتسمعَ أنينَ الغيومِ ونشيجَ الماءِ، في نزفِ قلبي على الأوتارِ الثكلى ..!
آهٍ .. كم كَبُرتُ ....! ولم أحصِ هزائمي ..
ولأنَّ حلمي غدا طويلًا .. سقطتْ من ذاكرتي كلُّ الألوان والصُّور ..وهربتُ بأسئلتي إلى كونٍ أوسعَ من لهفتي .. أركضُ وتتبعُني إلى غصنِ المنى مدائنُ وشوارعُ تنزفُ .. ولم يبقَ منّي إلا ظِلِّي ولم يبقَ منها إلا هذا الخُواء ..!!
سكرة القمر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق