إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 2 مايو 2021

"غربة الاوتاد" هي قصيدة للشاعر و الفنان السوري عادل المتني (المقطع الرابع) محمد هالي


 قراءة لقصيدة(كل يوم خميس و أحد) 

"غربة الاوتاد" هي قصيدة للشاعر  و الفنان السوري عادل المتني  (المقطع الرابع) 

محمد هالي


يغدو الفن خارطة المبدع الملهم، لتصوير الواقع بلغة الرمز ، و الدلالة، ليقرب المعنى للإنسان الشغوف، من أجل فهم ما يجري في الكون، و الطبيعة المنسية في أورقة البذخ الراقية، الفنان الواصف، و المصور لما يجري في أروقة الغربة المفروضة في مخيمات القهر، هذا هو الفنان المتني الذي صنع من حروف اللغة، جملا تتشابك ليوصل بلغة تصويرية ما هو حادث في المخيمات ، إن الخيوط المنسجة بعناية، لأخذ الصورة و تقريبها للمتلقي عبر اللغة، باعتبارها الأداة الوحيدة لرفع درجة الفهم، قبل نقلها لدرجة الوجدان، و التعاطف، و الحب، اللاجئ لا يحتاج إلى دغدغة للعواطف، لا يحتاج إلى تسمم الكلمات، انه يحتاج فقط إلى مكان هادئ ينعم فيه بدفء الأرض، في هذا الذوبان المتثاقل يتقوى الحرف، و تتضخم الكلمة، لتغدو القصيدة ككل بحرا من العرض المتأني للمعاناة، إنه البوح الذي يستعرض بلغة الذات هموم اللاجئ، يدخلك في خانته القوية ، و تصوره القوي، في نوع من الحياة، فأنت في لبنان قادم من سوريا ماذا تنتظر من هذا التخبط الذهني ، فقط أن ينقل الدم من أوعية قويه يشعرك بالحياة، أو مروره من أوعية فاشلة يسقطك في العياء، تشعر بجسدك سيسقط لا محالة في أية لحظة بل في أية دقيقة، لأنك تحمل دما يجري في أوعية غير صالحة، أوعية اللاجئ دمه (العرق) أرضه، يحلم بالاستقرار و الهدوء في مكانه، دمه الذي تغذى منه جسده، واقف لكونه إنسان خارج غربته، السلاح الوحيد الذي يملكه هو كيف ينقل غربته وسط غرابته، ينقل ذاته الافتراضية للآخرين، يعبر، بل يشدو باللغة كتابة، ليقول شيئا للعالم: إني هنا، حاضر بقوة، أطير في أمكنة بعيدة، لأني أملك أجنحة، و هي لا تشبه أجنحة الطيور لكونها تسمى أجنحة التصور، أنقل أصور بذهني ما أراه، و أرسله للآخرين، ليتعايشوا مع معاناتي، مع قهري، إنسان ملتصق بالأرض، و أجنحته وجدت لترتبط بها، فأنا صحافي الكلمة، بها أنقل الدلالة و المعنى، و بها أرسم عواطفي، و أحلامي، و اشتياقي، أعبر عن حبي لذاتي، و للناس، و للوطن، و للعالم، بطريقتي أفلسف لجوئي، إني أنا هنا في لبنان ، في بيروت في شارع الحمرا، في أرقى شوارع لبنان و أجملها، أنا هنا أنقل للناس، للطيور، للفراشات، للدابة، و للهواء أيضا، أني أتنفس شعرا، و لغة، أتنفس الحرف و الكلمة، يجب أن تأذنوا لي بالدخول في قلوبكم، و عواطفكم، بصورة الإنسان، أم أن إنسانيتي لا تهمكم؟، يتجول المتني بهذا الخطاب في الجزء الثاني من القصيدة "غربة الأوتاد"، يذهب بنا بعيدا : بعيدا، في حيثيات اللاجئ و ظروف عيشه، وعمله، و روتينته، و طريقة تشكله في وجود آخر أصبح يحياه، يعيشه، إنه يصرخ في أمكنة مختلفة، يلتقط صور فوتوغرافية باللغة، يحلق بها عاليا لكي تصل للآخر البعيد، البعيد، نتجول معه نتابع ملاحظته، نقطف المسكن و العمل، إنه دم يتجول في جسم هرم، أو جسم ملوث لا يقوى على السير، لكنه يقوى على نقل صورة الجسم، صورة الأمكنة، و صورة الحياة، يقدر على نقل ما يبدو قابل للنقل، بهذه المعاني أرى عادل المتني و هو في بيروت اللبنانية، أراه يحمل لغته، صوره، أفكاره، يموج بها وسط محيطات لا تخلو من أسماك موحشة، و من منعرجات صعبة و قاسية، فهي تحمل الرطوبة، كما تحمل القسوة. حروفه هاربة من قلبه ترسم امرأة، مقذوف بها، تخرجه، و تخرجك من الكدر بابتسامتها الساخنة، تغذيه و تغذيك بالحب، و الجنس، إنها اللغة بهذه الصورة الجميلة، تقدم لنا العاطفة النابعة من القسوة، من الظلم و الفشل ، لهذا يبقى الشعر يشبه الجسد اللطيف، و الحنون، بهذا الأسلوب الوصفي الرائع تتجسد الرطوبة، وتحضر لتخفي آلام الضياع:

"نبحث عن امرأة تغفو قربنا

تُنَكّهُ الصباح بعطرها الساخن

وابتسامة ساخنة

وجسدا يقارب لغة الشعر

دون مواربة

وحياء"

الرطوبة لا توجد في الجسد، توجد في كائنات خارج جنس البشر، كائنات متفردة، حنونة و شفيقة "إنها القطط و الطيور" ، في كائنات الغريزة، لا كائنات الثقافة، قد تتحول الرطوبة إلى قسوة في الجسد، و لا يمكن أن تتحول في الطير و القط، لأنها كائنات لطيفة بطبيعتها الفطرية تلك، العاطفة و الحب بالنسبة للاجئ لا توجد في بني جنسه، حتى المرأة التي هي تدخل ضمن ضرورياته فهي لا تتميز بالتفرد كما هو الشأن بالنسبة للقطط و الطيور، لكن الحياة تعلمنا بقدر ما هنالك لطف توجد قسوة (بكاء القطط و الطيور):

"وحدها القطط والطيور

تعاملني بلطف

وتبكي على كتفي"

محمد هالي

)يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...