قراءة لقصيدة:
ستنطلق القراءة من هذه القصيدة و هي للشاعرة المغربية أمينة الزعري ،هي قصيدة تحمل دلالات متعددة، فمنها ستكون البداية:
علَّموا المرايا أن تخون..
علَّموها..
أن تخفيَ تجاعيد الوجه
الثكلى بقوافل الوجعِ
أن تُناصرَ
الظل الذي عند أول غيمة
يفيء كالسراب.
علَّموها..
أنّ أنت .. لست أنت
بل أنت أرقى من أنت
أنك بانتفاخ أنفك
وبتاءٍ مربوطةٍ برِجلكَ .. أنت.
علَّموها..
أن الصليب فزاعةٌ
والسياطَ خيوط من حرير
والجنازاتَ .. سنابل.
علَّموها..
أن للبدايات نهايات تشبهها
أول السلام حرب
آخر السلام حرب
وأن دجلة والفرات قامتان
والنيلَ رجل من فصيلة فرعون
وبردى في احتفال لا ينتهي
علَّموها ..
أن أمّ الربيع يضاجعها
رعاة البعير
يسقونها بالماء الأسود
لتزيد السعادة اخضرارا
علَّموها..
أن درويش يحب الشعر
وصِنوه الكادح
يُفصل أنشودة الخبز.
آاااااه
نعيم عدْنِي لا يهاجر وسادة الحلم
فوجه تلك المرايا
صرخة طفل صغير
لانكسار الضوء
في غيبوبة الملامح.
أمينة الزعري
*******
المرايا، و حقيقة العالم العربي، كما ابتدعتها أمينة الزعري
محمد هالي
"علَّموا المرايا أن تخون.."
هكذا ارتأت الزعري أن تبتدئ قصيدتها، أن تخاطب الإنسان بأن يتعامل مع الشيء الذي لا يعرف إلا الحقيقة، علما أن التعلم من خصائص الإنسان، تريد من الإنسان إن يقلب ما هو حقيقي ليصبح كذبا، ألم تكن الحقيقة هي مطابقة الذهن لما هو واقعي كما يزعم البعض، و المرايا لا تمثل شيئا، سوى أنها تجسد الحقيقة بعينها، إنها تصور المرئي كما هو بدون مراوغة، لكن الإنسان الموجه له الدعوة هو الإنسان العربي الجريح، الإنسان الذي تحيط به كل العوائق، و الحواجز، يرى الحقيقة كذبا، و أخطاء، و ظلما، و جورا، و بهتانا ...، بل هو لا ينعم بها أصلا، لهذا تطلب منا الزعري بأن نغير المرايا أي الشيء الذي لا يعرف إلا الحقيقة، أن نجعل منه شيئا آخر، هل هذا ممكن؟ كيف نجعل من الشيء أن يتعلم شيئا معينا (كالخيانة)؟ لماذا تتجه للمرايا بالذات؟ (أن نعلم المرايا الخيانة)، علما بأن الإنسان من الممكن أن يوصف بالتعلم، و الحيوان يتصف بخاصية الترويض، في حين أن الشيء(المرايا) لا يقبل لا بالتعلم، و لا بالترويض، بل أكثر ما يمكن أن تصل إليه الأشياء هو التبرمج ، و هذا لا يصدق على كل الأشياء، بل على البعض منها (بعض الوسائل الاليكترونية)، من هنا فالمرايا لا تنتمي إلى هذه الطبيعة، و لا يمكنها في آخر المطاف أن تجسد إلا الحقيقة، حقيقة الإنسان العربي، حقيقة الصفة، و الشكل، لتنطلق اللازمة "علموها" معربة عن العري العربي، المميت في زمن الحياة، من منا يستطيع أن يخفي تجاعيد وجهه، أن يخفي حقيقته أمام تعرية السنين العجاف، فالنمو تحصيه الأيام و تقتله السنين، حقيقة لا يمكن أن ترفضه المرايا، بل يجب أن تكشفه، كلما توقفت عن حقيقة ذاتك، تفلسفها التجارب ، و أنت العربي لم تختر انتمائك، جغرافية الهلاك الذي أنت فيها، و المرايا لا تستطيع إخفاء حقيقتك، و لو توجهت إلى أقصى تجار التجميل في العالم، فالشيء الذي يمكن أن تقدمه لك الأشياء الصناعية، هو أن "يتمطط" وجهك، و يتمدد، " يتجبد"، لكن حقيقتك ستكشفها المرايا كما هي، و حين ترجع إليها تريك وجهك الحقيقي، باعتباره يحمل التجاعيد المخفية وراء الجلد الممدد و لعل هذا هو ما تريد الزعري إظهارها
"الثكلى بقوافل الوجعِ"
محمد هالي
(يتبع)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق