لقد أتحفتَني جدا جدا بهذا الفخيم من الجمال والفن الراقي في النقد السامي أستاذي الحاتمي كريم القاسم .. وبعثتَ في روح سلسلةِ( رسالة تذروها الرّيح ) روحًا أخرى حيّةً غنيّةً، مؤتلفةً قيّمةً، بدراسةٍ فيّاضةٍ تتراوح وأفكارها العميقة بين أفق دلالاتها وغورِ أسبارِها .. وتصُبَّ في نهرٍ يسبحُ في فضاءاتِ فيها من الطلاوة والحلاوة ما يُغني ويُثري ويُثير .. امتناني لهذا المستوى العالي من النّضوجِ الفكريِّ الحقيقيِّ والمُدرِكِ بلغةٍ رشيقةٍ شيّقةٍ ذاتِ مرامٍ بعيدٍةٍ، جلُّها الانتصار ُ للجمال وللرقيِّ وللأدب الرفيع.
دراسة نقدية في الرسالة الادبية
(رسالة تذروها الريح) أنموذجاً
الشاعرة / آمال القاسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• بداية أوّد القول بأني اختصرتُ في هذه الدراسة النقدية الكثير من المحطات النقدية بسبب ضيق فضاء المقال ، وكذلك ضيق الفسحة الزمنية التي سَنحتْ لي ، حيث من الممكن ان تستوعب هذه الدراسة كرّاساً متوسط الحجم ، لِما في هذا الفضاء (النثري) المنقود من الأسس الثوابت وبعض المتباينات ، والتي ـ للاسف ـ ابتعد عنها الكثير من النقاد ، بسبب زحام ساحة الشعر بالمقالات والدراسات النقدية ، والتي باتتْ هي الاخرى فقيرة بالنوع والجوهر والمضمون .
• لقد غصَّتْ الساحة الادبية ـ وبضمنها الفضاء الاثيري ـ بالشعر وبكافة اجناسة وتفرعاته ، حتى بات (النثر) كأنه فن أدبي من الرتبة الدنيا او الدرجة الثانية ، رغم ان كلام العرب هو فنيّن لاثالث لهما (النثر والشعر) .
إذاً من المفيد والجميل أن نحط رحالنا النقدي هنا ، في واحة نثرية قلَّ المرور بها ، بل بات من الندرة أن يعثر المتلقي او الباحث على مقال نقدي يصب بيانه وإيضاحاته في هكذا شأن ، وخاصة في الفترات الاخيرة ، في الوقت الذي يُعتبر فيه فن النثر ـ بكل اجناسه ـ مُقوّماً وركناً حضارياً مهماً ، بل هو سِمة التمدّن المجتمعي وعنوان تقدمها ، وهو أساس الشعر كذلك . لكن للاسف لو تبحّر الباحث المنصف في الخطاب النثري لوجده فقيرأ وقليل الحظ في التراث النقدي . وحتى الدراسات والمقالات النقدية التي تصدَّتْ لبعض الاجناس النثرية من رواية وقصة ، لاتعدو هي الاخرى سطحية التفاعل ونادرة الحضور . فلم تغُصْ ، ولم تحلل ، ولم تستكشف مكوناته وعناصره وجمالياته ، كي تعرض لنا مائدة نقدية لذيذة الطعم وافرة العطاء ثرية الفائدة .
ــ لذلك دفعتني الرغبة المُلِحَّة للبحث عن عمل ادبيّ يتعامل مع فن النثر وهو يحمل لمسة ابداعية برصانة وذكاء ، ليتوشح ذلك العمل بالسِمة والبصمة التي تناسبه، وهذا ما حدا بي لتقديم هذه الدراسة النقدية التي تختص بجنس نثري معين ، لرفد الساحة النقدية وعضدها بما يفيد الدارس والباحث والمتلقي .
ــ المحطة التي سأقف عندها هي (الرسالة) والتي تعتبر جنساً نثريا قديما راسخاً ، لها اركانها وعناصرها وخصوصياتها ، والتي سنمرُّ على بعض إحداثياتها تباعاً في مقالنا هذا .
ــ نظرا لكوننا سنبحر في جنس (الرسالة) الخاص بـ (الادب العربي) لذلك سينحصر إستطلاعنا ضمن دائرة هذا الأدب فقط .
• إن جنس الرسالة لم يظهر الى الساحة الادبية العربية بصورة واضحة جليّة إلا في أواخر العصر الاموي ، ثم تكامل ازدهاره في أواسط العصر العباسي وما تلاه . كون العصر الجاهلي لم يكن يهتم بالمراسلات التحريرية المكتوبة ، بل يتناقلها مشافهة كما في الشعر .
• قد يبدو هذا المقال غريباً بعض الشيء على سمع المتلقي فهو قد تعود على المقالات النقدية التي تخص الشعر لاغير . إلا ان المتمعن في الادب العربي والعالمي يعرف ان لصنعة الكتابة فضاء واسع جدا ، فكتابة الرسالة مثلاً لايمكن أن تتحدد بنوع واسلوب واحد ، ولا يمكن الأتيان بالفاظ ومعان تدور ضمن فلك واحد لاغير ، مما تؤدي الى اشاعة الملل والضجر لدى المتلقي . فهي تحتاج الى قلم وعقل مفكر متجدد مثقف يكتنز خزينا معرفيا كبيرا وعتادا لغويا سليما ، ليتسنى له تجديد نصوصه بما يتلائم مع الهدف او المناسبة او مرتبة (المُرسَل اليه) ... وكما قالوا : (لكل مقام مقال).
ــ إن هذا المعنى جسَّده ابن الاثير في مقولته : (أن المعاني تتجدد فيها بتجدد الأيام ، وهي متجددة على عدد الأنفاس)
ـ إذا هكذا هي المعاني المتجدده ، يكون حضورها كالانفاس المتجددة . وهذا تشبيه فخمٌ وكبير . فكيف بمن يريد الحضور والتألق في فضاء الادب وهو مازال مُعشعِشاً في بحبوحته اللغوية المغلقة ، والتي لاتتعدى مستوى الانشاء المتوسط ؟
• لاشك ان هكذا فعل هو تخبط وتخلُّف وعَجَز.
• يتضمن جنس الرسالة نوعين من الرسائل هما ( رسائل الديوان ـ رسائل الادب) ولكل نوع تفرعاته وأصوله .
• ستكون محطتنا النقدية هي (ألرسالة الادبية) فهي تمثل خطاباً حوارياً بين ذاتٍ مُرسِلة وذاتٍ مُستقبِلة (مُرسَل اليها) بحيث يُترجِم (المُرسِل) احاسيسه ومشاعره وخواطره الى حوارٍ جذَاب ، مُستنداً الى عتادٍ لغويٍّ وجدانيٍّ لايُستهان به ، وقريحةٍ قادحةٍ نشطة ، من اجل الوصول الى عَرضِ نصٍّ ادبيٍّ خلّاب يحمل رتبة (رسالة ادبية) .
• إن فن الرسالة هو فن راق جداً لما يحمله من نسجٍ ثريٍّ بالفصاحة والبلاغة والمحسنات اللفظية والمعنوية وغيرها من سِمات تجعل هذا الفن له شخصيته ورتبته وتفرده الادبي المستقل .
• عادة ؛ عندما نقرأ او نسمع لفظة (رسالة) سيتبادر الى الذهن والفهم بأن المضمون هو تخاطب بين طرفين ، وسيتحدد نوع الخطاب بنوع الطرف (المُرسَل اليه) وبنوع الهدف من الإرسال .
ـ فمثلاً : إذا كان الهدف وجدانياً فبالتأكيد ستضجّ الرسالة بالمفردات الشفافة الانيقة التي تشكل عنصر جذب وإثارة وإعجاب للذات المقابِلة ، لذلك يختار (المُرسِل) مفرداته ولون خطابه بما يناسب الهدف المرجو . وهكذا مع بقية الاهداف والمرامي الاخرى .
• إن هذا اللون الادبي الراقي والمتضمن (17) سبع عشرة رسالة حتى لحظة كتابة هذا المقال ، قد اجتهدتْ في نسجها الكاتبة الاردنية (آمال القاسم) ، والتي سنتأمل بعض محطاتها بمشوارٍ نقديٍّ ـ وهي تستحق الوقوف عندها ـ للكشف عن آثار الجمال اللغوي ، وعذوبة المعاني المستعملة ، مع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق