الحلقة: الثامنة والعشرون بعد المائة
بقلم وتصميم: زوزان صالح اليوسفي
خطف وتعذيب والدتي.
في صباح يوم 29 شباط/ فبراير 1981 كانت والدتي تستعد للذهاب إلى دوامها في (روضة الزهور) التي تبعد مسافة حوالي 200م عن منزلنا، وكانت كعادتها تتأخر عن الدوام بعض الشيء لكونها معاونة في المدرسة وليست لديها حصص، كان الطريق فارغاً تقريباً، قبل وصولها إلى الروضة بمسافة جاءت سيارة مسرعة كادت أن تدهسها..! بالكاد أستطاعت أن تأخذ جانباً من الطريق بعد أن أدركت النوايا الخبيثة لهذه السيارة..! وإذا بالسيارة في ثواني تقطع الطريق عنها بكل سرعة وتركن في مواجهتها وفي الحال خرج منها رجل كان بجانب السائق وتوجه نحوها.
شعرت والدتي بالخوف والفزع من هذه الجرأة وهذا الموقف الصعب..! لا تعرف كيف تتصرف وماذا تفعل..؟! أخذت تنظر يميناً ويساراً لكنها لم ترى أحد في الشارع لتستنجد به وقد أدركت أن هذه السيارة ما أخذت هذا الموقف إلا بنية سيئة..! وقفت والدتي مذهولة وقد خارت قواها حين شاهدت هذا الرجل الذي ترجل من السيارة يتقدم نحوها ثم هددها بأن تركب السيارة بصمت وحذرها أن تصرخ أو تستنجد بأحد..! ثم سحبها بقوة ودفعها في المقعد الخلفي للسيارة وعصّب عينيها وأمرها أن تخفض رأسها لكي لا يراها أحد.
أنطلقت السيارة لمسافة إلى حين أن توقفت في مكان ما، أخرجوا والدتي من السيارة وهي معصوبة العينين وقادوها إلى غرفة خاصة ورفعوا العُصبة عن عينيَّها، أدركت والدتي أنها إحدى دوائر أو مقرات الأمن، حيث وجدت نفسها في غرفة كانت خاصة بعمليات التعذيب..! شعرت بالخوف والذعر وهي تجهل سبب إلقاء القبض عليها بهذه الطريقة الوحشية..؟! كان هناك كرسي التعذيب الكهربائي يركن في زاوية الغرفة.. أجلسوها على كرسي التعذيب وربطوا يديها بالكرسي وبدأوا بالتحقيق معها، وبين الفترة وأخرى كانوا يصعقونها بالتيار الكهربائي.
كان التحقيق يدور معها حول تقارير جاءت إليهم بحجة أنها تدافع عن ما أسماهم النظام ب (التبعيين - وهم من العراقيين الشيعة ومن الكورد الفيليين من الذين كان يدعي النظام أن أصولهم إيرانية، فقام النظام حينها بترحيلهم بشكل قسري وصادرت كل أموالهم وممتلكاتهم)، ومن كثرة ما واجهت والدتي من معاناة في حياتها من تهجير ونفي فإنها كانت تحس بظروف هؤلاء المُرحلين وتشعر بمعاناتهم، فكانت لها زميلة معلمة في نفس الروضة (من كربلاء تدعى ست فخرية) بعض المعلمات في المدرسة كانوا يتهمونها بأنها تبعية ويجب ترحيلها، فكانت والدتي تزجرهم وتدعوهم أن يتركوها وشأنها لأنها أرملة ولديها ثلاثة أطفال تعيلهم لوحدها، هذا بالإضافة إلى تقارير أخرى عن والدتي تتعلق برأيها بالحرب الإيرانية العراقية وهي تشير من خلالها عن أخطاء خطوة أتفاقية آذار 1975 حيث كانت والدتي لا تقل جرأة عن والدي في قول الحق، وهكذا جرى تحقيق طويل معها حول التهمتين..! أجابت والدتي عن تفاصيل كل الأسئلة بجرأة ودافعت عن نفسها من خلال تلك التقارير المبالغ فيها، فمن خلال كثرة التجارب التي مرت عليها خلال مراحل نضالها مع والدي كانت لديها بعض الشجاعة والخبرة في كيفية مجابهة الخصم في مثل هذه التحقيقات، ولكن رغم ذلك أستمروا بتعذيبها بالصعقات الكهربائية لعدة مرات..! وفي النهاية هددوها بالذبح إن حاولت مرة أخرى أن تدافع عن أحد من هؤلاء التبعية، كما هددوها بقص لسانها إذا أفشت وصرحت لكائن مَن يكون عما جرى لها من خلال هذا التحقيق والتعذيب، ثم أخلوا سبيلها بأعجوبة.
هذه التفاصيل المختصرة سردتها لي أمي شخصياً وذكرتها في كتابي(1) كنت أستمع لها وأنا في حالة من الحزن والذهول والألم وأقشعر جسدي لِما كانت تسردها عن هذه الحادثة والتصرف الوحشي، وأنا أتخيلها كيف أستطاعت الصمود..؟! وأنهارت دموعي ووقفت حائرة لا أعرف كيف أُعبر لها عن حزني وألمي، ثم بادرت على الفور وسألتها: وهل أخبرتي أبي..؟!
فأجابت بحزن: كنت أخاف أن أخبره في البداية، فقد هددوني كثيراً إذا ما أخبرت أحد.. ولكن بمرور الأيام شعر والدك من خلال ملامح وجهي الحزينة وشرودي وعدم رغبتي بتناول الطعام وخوفي من الذهاب إلى الدوام وكنت أتحجج لهُ بمختلف الحجج، حيث كنت أخاف أن أذهب مرة أخرى خوفاً من أن يخطفوني مرة أخرى.. فتلك الحادثة أثرت في نفسيتي كثيراً وجعلتني أخاف حتى من مجرد التفكير أن أخرج إلى الباب، فقد أنقذني الله من بين أيديهم ولم أكن مستعدة للمجازفة مرة أخرى، أمتنعت عن الدوام بعد أن قدمت بعض الأعذار لوالدك ولم أستطع بعدها تلفيق حجج أكثر من ذلك، ظل يسألني عن سبب تغيري فجأة وعن حزني وشرودي ولم أعد كما كنتُ، وفي الحقيقة لم أستطع الكتمان أكثر من ذلك.. فصرحت لهُ أخيراً بكل شيء في لحظة إنهيار.. وعن كل ما عانيته من ألم وإهانة وتعذيب على أيدي هؤلاء الأوغاد.
فسألتها: وماذا فعل أبي...؟!
أجابت: والدكِ لم يستطع السيطرة على أعصابه وتأثّر جداً وعاتبني لأنني لم أخبره في حينها.. فبادر على الفور بكتابة مذكرة عنيفة وشديدة اللهجة يُدين ويستنكر فيها هذا العمل الوحشي والإجرامي الذي هو ضد كل القيم الأخلاقية والإنسانية منتقداً النظام وجهازه الأمني، ثم أتصل بعدها بأحد ضباط الأمن الكبار وعلى الأرجح كان فاضل براك أو على ما أتذكر شخص أسمهُ الأول طالب، وطلب منه أن يوصل هذه المذكرة الى أعلى مرتبة في الدولة.
أطلعت حينها على مقتطفات من مسودة والدي رغم أنني للأسف لا أتذكر ولم أستوعب التفاصيل ولكنها كانت جريئة جداً وشديدة اللهجة وهو ينتقد تصرفهم الإجرامي.
بعد حادثة أعتقال والدتي وطريقة التعذيب البشعة التي تعرضت لها، أصبح والدي على يقين أن السلطة الحاكمة في بغداد بدأت تحسب عليه المواقف، وسيراً على طرقهم الوحشية، تأكد له أن تلك المحاولة الدنيئة من قِبل الأمن ومحاولتهم إما دهس والدتي بالسيارة وقتلها (وهي كانت مشابهة لمحاولات الدهس التي تعرض لها سابقاً المناضل عزيز عقراوي بقصد أغتياله) أو أخذها إلى دائرة الأمن للتحقيق والتعذيب كرسالة لتهديد والدي ولإرهابنا.
زيارة برزان التكريتي(مدير المخابرات العامة)..
في إحدى الأمسيات على ما أتذكر خلال شهر نيسان/ أبريل 1981 تلقى والدي أتصالًا هاتفياً عن نية بعض المسؤولين زيارة والدي، وحين وصلوا كان على رأسهم برزان التكريتي وبصحبته شخصين آخرين، أستغرق زيارتهم لحوالي ساعة، عرفنا من والدي أن برزان التكريتي جاء هذه المرة شخصياً طالباً من والدي أن يبدي رأيه لوسائل الإعلام حول ما سمي حينها بقادسية صدام، وكانت الحرب العراقية الإيرانية في أوجها، فأجاب والدي بكل جرأة قائلاً: (( ليس لديّ أي رأي حول هذا الموضوع.. لكني أستطيع أن أعطيك رأيي حول عمليات التهجير القسري للكورد وتدمير القرى الذي تمارسونه من خانقين إلى زاخو..))..!
وهنا أرتبك برزان من الحديث والنقاش مع والدي ومن رده..! وحين بادر بالقيام للإنصراف أصطدم بالطاولة التي أمامه وكاد أن يسقط من شدة أرتباكه.. ثم غادر البيت غاضباً..
وقد تطرق أبن عم والدي الأستاذ جميل أحمد اليوسفي عن هذا الموقف:((علمت وأنا في أربيل وقبل أستشهاد المرحوم بحوالي شهر بأن برزان التكريتي كلف من قِبل صدام لزيارة الشهيد في داره فسافرت إلى بغداد وزرت الشهيد في بيته وسألته: يا عم ماذا كان يريد برزان في زيارته الأخيرة فأجابني الشهيد وقال.. طلبوا مني أبداء رأي حول قادسية صدام فقلت لهم ليس عندي رأي عن القادسية.. إنما أعطي رأي حول عمليات التهجير والتنكيل والحرق والتدمير التي تمارسونها ليل نهار من خانقين وحتى زاخو.. وجعلت بارزان يرتبك في حديثه وأثناء قيامه للانصراف أصدم بالطاولة التي أمامه وكاد أن يسقط على الأرض، وقد علق صدام شخصياً بعد هذه الزيارة بقوله: أمر هذا الرجل عجيب يتعامل معنا وكأن عشرة آلاف من المسلحين واقفون وراءه يساندونه ويحرسونه.
وأستطرد الشهيد ماضياً في حديثه أنا حفيد الشهيد (شيخ يوسف(3)) الذي أعدم في قلعة زاخو خلال حكم سلاطين العثمانين لمشاركته في ثورة بدرخان بك فليعد التاريخ نفسه مع الحفيد.. فلم يبقى لي في هذه الدنيا سوى ملعقة دم سأفديها لشعبي ووطني ولن أطأطئ هامتي للأعداء أبداً.. فترقرقت الدموع في عيني وأدركت أن الشهيد يعيش أيامهُ الأخيرة مع النظام.. لقد مشيتَ نحو الفداء والشهادة بإرادتك أيُّها الفارس المغوار ووفيت بوعدك الذي قطعته على نفسك وأقتفيت أثر جدك الأكبر الشهيد (شيخ يوسف) هذا هو الشهيد صالح اليوسفي وهذه هي صلابته وإرادته الفولاذية التي قاومت أقسى وأعتى الأعاصير..(4))).
الهوامش:
(1)خواطر من ذاكرتي.
(2)أختيار الشهادة في سبيل الوطن (صحيفة خه بات) العدد 961 بقلم جميل اليوسفي.
(3)الشيخ يوسف: من ألمع الشجعان المشاركين في ثورة بدرخان باشا أمير جزيرة بوتان، ناضل من أجل قضية مصير الشعب الكوردي والحقوق القومية الكوردية منذ عهد الأمير بدرخان، وكان معتمد الأمير في منطقة بهدينان آنذاك خلال القرن التاسع عشر التي تأسست في منطقة الجزيرة، كانت حينها تحت السيادة الدولة العثمانية أسمياً، وكان لها نوع من الأستقلال الجزئي وحكمها العديد من الأمراء الكرد، تعرض الشيخ يوسف إلى ما يشبه الأنقلاب خلال ثورة الأمير بدرخان باشا ضد العثمانين، فقامت الحكومة العثمانية بمصادرة ممتلكاته وأمواله وأودعته في (سجن الزيندان) في زاخو فبقى هناك ردحاً من الزمن، وفي السجن صمم الشيخ يوسف مع رجال آخرون على الهرب فقاموا بحفر فجوة صغيرة في حائط السجن وبصورة سرية، وفي الخارج قام أهالي المدينة بدورهم بمساعدتهم على تنفيذ هذه الخطة وإنقاذ الشيخ يوسف ورجاله بتكبير تلك الفجوة من الخارج وأعدوا لهما الجراب لإنقاذهم عن طريق نهر الخابور، ونجحت الخطة ونجا الشيخ يوسف (ولا تزال تلك الثغرة موجودة على جدار السجن لحد الآن) وفي سنة (1849) سجن شيخ يوسف مرة أخرى في مدينة الموصل بأمر من والي الموصل مصطفى باشا، لأستمرار نشاطه السياسي حيث كان يتنقل بين القرى والأرياف محرضاً الجماهير وناشراً الوعي القومي بينهم، ودام سجنه إلى (1851) ثم أطلق سراحه بعد أن صادرت الحكومة العثمانية كل أمواله وأموال إخوته كل من ملا أحمد وملا مصطفى وملا طه، ولكن لم تؤمن الحكومة العثمانية على الشيخ يوسف فأعدمته في قلعة زاخو خلال تلك الفترة..
(4)نضال الشيخ يوسف وإعدامه مذكورة في الحلقة الأولى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق