غسل القلوب
تحاول أن تنسی ولا تعود لزمن الهدنة والصفاء ، لأن ذلك سيجعل القبح شفافا في عينيها ، تجر سلة مملوءة بقلوب كل أحبتها وأقربائها، يعلمون جيدا أن كل خميس تحج لواد "الشعبة" لتغسل قلبها بالكثير مما علق به ۔مختارا كان أم مرغما۔ وقلوب بعضهم لتنظفها كما يجب، عملٌ قد تؤجر عليه ، لذلك تحرص علی تطهيرها وإعادتها لأصحابها خالية من كل الأوجاع ، وهي فرصة أيضا لتتجسس وتتلصص على بعضها .
كانت تنزل الهضبة الرملية بتؤدة، فيما بعض النسوة۔ وأغلبهن لا يحملن إلا قلوبهن المستكينة في صدورهن الدافئة۔ يهرعن جهة البحر وكأنهن عطاشى لأجاج الماء، أسرعت الخطى باتجاه زاوية بها جرف كبير ، تتكسر عليه الأمواج ، بجانبه جزر صغيرة كالنجوم ، تصلح أن تخلع قلبها دون أن يراها أحد وتنفضه من أدران تبطئ خفقانه وتوجع أحاسيسه، ومما كسره من كبرياء و عناد وتجبر.
الماء بارد . ستبدأ بقلبها دون القلوب الأخرى ، تغسله " بسبع ماج" كما كانت تقول "أمي زينب" الجدة الجميلة جدا بعينيها الخضراوين وسحنتها الناصعة البياض، تسميها الجدة ولم تكن جدتها في الأصل، بل قريبة أمها وصديقتها الوحيدة والتي ما فتئت تؤكد لها طيلة حياتها ، أن الغسل " بسبع موجات" يزيل الحسد والسحر ويجعل الفتيات يتزوجن بسرعة البرق ، أما الذكور فتحل عقدتهم ويغدق عليهم الرزق من كل حدب وصوب. كان والدها رحمه الله يحرص على أخذها " للمريسه " بمجرد ما ينتهي من صلاة الفجر، له حجة أخرى في ذلك، وهي أن البحر في الخامسة أو السادسة صباحا دواء لكل داء، تقول عائشة " "تخيلوا معي وانتم تستيقظون من غمرة النوم باحثين بعيون نصف مغمضة عن سطل صغير ومنشفة، تتبعون والدكم، والبرد يرتعد في أوصالكم رغم الصيف، ولا يسمح لكم أن تمشوا بجانبه ، فقط تتبعون الخطى الصادقة في حبها لكم بطريقتها وحسب قناعتها"
فلسفة ومنظور للرجل آنذاك تجاه المرأة، كيفما كانت درجة قرابتها له، ومركزها ودرجة علمها، دائما خلف الرجل حتى وإن سيقت للموت، ليس لتحمل المعاناة عنها ، ولكن كناية عن قناعة راسخة مفادها ضعفها الفكري والجسدي ، فكر تحرر منه أغلب الرجال ، وأصبحوا الآن يرونها ندا لهم ، ومساوية لهم في كل شيء ، وذهب التفاضل إلى حد أن تكون لها الغلبة في كل سبل الحياة ومظاهرها ،فتكون رجل البيت بكل حمله ماديا ومعنويا وسيدة خارجه ، فيتبعها منقادا للبحر تسبقه هي ، ليس بالخطى بل بأيام مخصومة من مدة الإصطياف المصادق عليها من طرفها في مجلس العائلة.
وتضيف عائشة أنه كان يحدث أن تذهب العائلة كلها للبحر ، فيقتسمونه وفق النظام الإسلامي، جهة خاصة بالنساء وأخرى بالذكور ، لا تراعى في القسمة إلا الفارق الجسدي البين ، وتذكرأيضا أنها كانت تغتسل" بسبع أمواج" وتخطئ ، فتكون بذلك قد غسلت ب واحد وعشرين موجة أو أكثر ولا عريس تقدم لها باستثناء رشيد البحار الذي غرق في البحر عندما كان في رحلة صيد بقاربه الصغير .
القلوب لاتحتاج لصابون، يكفي الماء، غطست قلبها فيه وتركته حتى تنتهي من قلب صديقتها إلهام وجارتها الباتول. صرخت قائلة:
- يا للعجب ! قلب صديقتي كلما وصله الماء خرج دخانه لعنان السماء، تكذب علي حين تقول أنها لم تعشق في حياتها، يظهر أن كل أسلاك قلبها " أتسوطاط" مسكينة ، تحاول أن تظهر قوية حتى حملت قلبها ما لم يستطعه. والنتيجة أنه أصبح ضعيفا ويتوسخ بسرعة ولا يكفي غسله مرتين في الأسبوع، سأنصحها بتغييره بقلب زوجها الجندي ، الذي يتباهى بقتل كتيبة في معركته الأخيرة .
قلب الجارة صغير جدًا وثقيل، ما السر في ذلك؟
هي امرأة قليلة الكلام، كثيرة المعارك مع كل من يناقض مبدأها القاضي بأن القصيدة مرجل مشتعل في أحشاء أنثى لا تخجل من حروفها. تتفوهها كلما شعرت بأن هناك توأمًا يرفض مقاسمة الملح مع ذاكرتها.
عادت عائشة لقلبها تحاول رفعه من الماء ، حاولت عدة مرات دون جدوى، عندها ظهرت فقاعات بحروف لامعة ،وكلما جاءت موجة كان يطفو فوق زبدها أسطر شعرية ، حرصت على قراءتها وكانت كتالي:
أجننت ؟؟؟
أ جننت ؟
أ تكتبين للبحر قصيدا
على هدب رمله ساعة جزْرْ ؟
و مِدادُه دموعٌ تحاصر الرحيلَ
برحابة مداكْ ؟
أ جننت ؟
تدارين شمسي وخُطى ظِلِّك
على أمواجي
يبلل الحروفَ بعطر أيلول .. ؟
أجننت ؟
وأنت تكسرين كلَّ القيودْ
حين تنتظر ين موعدا
عشيةَ زمنِ العشبِ
هي الحسْراتُ تعدو فيك
تلامسُ أطيافَ الأمنياتِ
و أشلاءُ مرمريَّةٌ
على سرير السكوتِ... تتثاءبُ
مصيرُ انتظارِنا يستسلم لموعدٍ ذابلٍ
يرنو لخدرٍ يرتعش
كما شئنا من مصيرٍ مجهول
يرثينا في مرآة تنزف
في لا شيءَ يعكِسنا
أنت...
وحيدة فيك.
فاطمة المعيزي
....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق