إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 16 أغسطس 2020

قِصَّة الجَرِيمة اخي ليس مجنون بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

 قِصَّة الجَرِيمة

اخي ليس مجنون

بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت


نَظَرِ الرَّجُلِ الْحَاذِق ذُو الشَّارِب الْعَرِيض وَالْجَسَد الممشوق يَأَرْجَح رَأْسَهُ يَمِينًا وَيَسَارًا نَافِيًا :


أَنَّا لَا افهمك .


الْحَجّ "رضا" قَائِلًا بِكُلّ قَلِق وَاهْتِمَام :


أَنَا رَجُلٌ بَسِيطُ  يابية ، رُبَّمَا لَا أَفْهَمُ بَعْضِ مَا يَدُور حَوْلِي ، إنَّمَا هِيَ الْحَيَّة عَيْنِهَا الَّتِي دَفَعْت أَخِي إلَيّ الْجُنُون .


أَدَار الْمُحَقِّق "قسم" كُرْسِيِّه الْأَنِيق صَوْب نَافِذَةٌ ، كَانَت تضوي بِهَا الشَّمْس ، وَتَسَاءَل بَيْنَ نَفْسِهِ :


أَيْ حَيَّةً ؟ ! تَأْخُذ أَخِيه الْحَجّ "كمال" إلَيّ الْجُنُون ، وَاسْتَنْبَط بَيْن الْحُرُوف :


لاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ مِيرَاث العَائِلَة هُوَ الْجُنُون .


زَعَق الْحَجّ "رضا" :


أَنْقَذ أَخِي يابية .


جَلَس " وحيد" يتباكي مكبلا بِالْحُزْن ، يَسْرُد وَاقِعَةٌ مَرَّ عَلَيْهَا التَّوْقِيت بِعُسْرِه :


مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ، كُنْت أُرِي وَلَا أَفْهَم ، تَطَوَّرَت حَالَة أَبِي ، هَذَيَانٌ ، شَتَاتٌ ، صُرَاخ بِلَا سَبَبٍ ، كَم تَخَوَّفْنَا ؟ ! وَكَم كَان مُرْعِبا ؟ ! بعيونة الجاحظة وَكَم تَحَمَّلَت ؟ ! أُمِّي الْمِسْكِينَة .


ثُمّ . . خَرَج " وحيد" عَن وَقَارُه ، قَائِلًا بحجبان ضيقان :


رَأَيْت مَا لَا يَحْمَدُ عُقْبَاه وَأَنَا العشريني الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُرَافِق الْمُسْتَقْبَل حَيَاتِه ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَافِظَة كَبِيرَة ، أَوْرَاق تَثْبُت جُنُون الْأَب وترددة عَلِيّ أَمَاكِن لِتَلَقِّي الْعِلَاج النَّفْسِيّ وَالْعَقْلِيّ ، ثُمَّ قَالَ بَئِيس :


مِحْنَةٌ مِنْ الْعَذَابِ ، وَأَخِيرًا . يَقُولُون أَنَّنَا نَفْعَل الْجِرْم .


تَهَدَّلَت أَخَادِيد الْمَرْأَة تَنَكَّس رَأْسِهَا لمأساة كُبْرِي ، تَنْظُر بِثَبَات الْعُيُون ، وَهَيْئَتُهَا تَقُولُ الْحَقْ : 


ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ مِن المشاكسات ، كَم تشاكت الْجِيرَان وَهَذِه بَعْض الْمَحَاضِر الَّتِي كَانَتْ تَقَدَّم كَا بَلاغٌ لِمَا يَصْدُرُ عَنْ زَوْجِي ، أَشَار الْجَمِيع بِجُنُونِه ، الْجِيرَان ، الْأَصْدِقَاء ، إلَّا أَخِيه هَذَا الْحَجُّ " كمال" الَّذِي يُؤَكِّد اِتِّزَان الْعَقْل بزوجي .


جَلَسَ رَجُلٌ الْإِثْبَات وَالْأَدِلَّة يَتَحَدَّث بالسرد :


"رضا عَبْدِ الْمُؤْمِنِ " مِنْ صَاحِبِ الْأَمْلَاك وَالْأَمْوَال البنكية ، يَمْلِكُ وَلَا يَمْلِكُ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ ، رَجُلًا طَالَمَا أَشاد الْجَمِيع بِعَقْلِه ، إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ سَنَوَاتٍ ، بَدَأ الْجَمِيع يُرِي جُنُونِه ، بَعْدَمَا دَبّ الْخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْوَحِيد ، الْحَجّ "كمال"


الْتَقَط الْمُحَقِّق " قسم" أَنْفَاسَه الْقَصِيرَة ، ملوحا بِقَبْضِه الْقَوِيَّة :


مَاذَا قَالَت الفحوصات .


قَالَ الطَّبِيبُ الشَّرْعِيّ :


جَسَدًا نَظِيف وَعَقْلًا غَيْر مُتَّزِن ، إلَّا مِنْ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي تَخُصّ مَرَض الْجُنُون ، وَقَد بُدِئ الْأَمْر يتفاقم فِي الثَّلَاثَةِ أَعْوَام الْأَخِيرَة ، فَضْلًا عَنْ تَلَقِّي جرعات تُخْفِض مِن كَهْرَباء الْمُخ .


تُخَاطَب الْمُحَقِّق بانْفِعال :


هَذَا هُوَ الْجِرْم عَيْنِه ، كَيْف يَعِيش مَجْنُون ؟ ! بَيْنَ الْعُقَلَاءِ .


بَكَت امْرَأَة الْمَجْنُون حِينَ قَالَتْ :


أَنَا امْرَأَةٌ أَبَدًا لَن تُفَرِّط بِزَوْجِهَا وَإِنْ كَانَتْ بَوَادِرُه الْجُنُون وَخَيْمَةٌ ، تَحَمَّلَت وَتَحَمَّلَت وساتحمل ، حَتَّي يَأْتِيه الْمَمَات ، إِنَّمَا يُذْهِب لمشفي الْجُنُون أَبَدًا ، طَالَمَا قَدَمَاي تطئ بِهَذِه الدُّنْيَا .


أَشَارَ الْمُحَقِّقُ صَوْب الطَّبِيب الشَّرْعِيّ ، يتواسي بِأَمْر الْمَرْأَة :


امْرَأَة حَقًّا زَادَهَا الحُبِّ وَالإِخْلاَصِ وَالْوَفَاء ، تَمَسَّكَت بِشَرِيك عُمْرِهَا رَغِم الْجُنُون .


الطَّبِيب الشَّرْعِيّ بَلَّغَهُ مِنْ التَّهَكُّم :


امْرَأَة حَقًّا زَادَهَا الحُبِّ وَالإِخْلاَصِ ، تلفحت بسطو الْمَال .


صُمْت الْمُحَقِّق يَعْكُف زرعاة قَائِلًا بارتياب :


لَن اراودك بِالْأَلْغَاز ، وَاعْلَم ذَلِك .


قَالَ الطَّبِيبُ :


مُنْذ شَهْرًا وَاحِدًا ، تَمّ رَفَع قَضِيَّة ضدد الْأَب المخول بِالْجُنُون وَتَمّ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَأَصْبَح الِابْن الْوَحِيد مُتَحَكِّما بِكُلّ أَمْوَالِه وَأَمْلاكَه .


قَالَ الْمُحَقِّقُ يُعْتَرَض :

رَجُلًا أَصَابَهُ الْجُنُون ، نَتْرُكُه حَتَّي يستقطبة الْمُجْرِمِين ، إنَّمَا مَأْتَم فَعَلَهُ مِنْ الِابْنِ هُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ .


قَدِم الطَّبِيب الشَّرْعِيّ بِضْع وُرَيْقَاتٌ ، حَتَّي قراءها الْمُحَقِّق ، هَاج وَمَاج ملوحا بِالتَّوَعُّد .


جَلَسَت امْرَأَة الْمَجْنُون تَقْطُر دُمُوعُهَا النَّدَم بشفاه مرتعشة ، عِنْدَمَا قَدِم الْمُحَقِّق لَهَا الْأَوْرَاق :


رُتِّبَت الْحِكَايَة عَلِيّ أَسَاس فَاسِدٌ ، مُنْذ التَّوَحُّش والشرسة الَّتِي بَات عَلَيْهَا زَوْجِي ، تَزَايَدَت مَعَه الْأَمْوَال ، زَاد جُحُودِه ، تُنْكِرُ مِنْ الْجَمِيعِ .


حَصُنَت بِدَايَةِ الأمْرِ مِنْ الِارْتِيَاب ، أَعْلَنْت بَيْن الجيرة بَوَادِر جُنُونِه وَفِي أَيَّامِ قَلِيلَةٍ ، بَلَغ امتلاكي لِبَعْض الْأَمْلَاك ، مِنْهَا المشفي وَبَعْض الْعَقَارَات .


استوقفها الْمُحَقِّق قَائِلًا :


بَعْضًا مِنْ الْأَوْرَاقِ تُؤَوَّل لتنازل الرَّجُل لَك عَنْ المشفي وَغَيْرِ ذَلِكَ .


اسْتَكْمَلَت الْمَرْأَة :


لَمْ يَشُكَّ الْجَمِيعِ فِي الْأَمْرِ ، تَمّ تَارِيخ التَّنازُل المزعوم قَبْل أَصَابَتْه بِالْجُنُون .


شَعْر الْمُحَقِّق بالضجر قَائِلًا :


تقصدين ، بَعْد التَّحَايُلَ عَلَيْهِ ، قَبْلَ وَضْعِهِ بالمشفي واعطاءة دَوَاء يفقم مِنْ الْجُنُونِ .


تفصدت الْمَرْأَة وارتاعت بعيونها السَّحْب السَّوْدَاء ، تَقُول :


خَرَجَ بَعْضُ فَتْرَةً طَويلَةً ، بَعْدَمَا قَالَت المشفي تَوَكَّد جُنُونِه ، وَأَعْلَنْت الْمُتَابَعَة لِحَالَتِه بِالْبَيْت .


رُمْح الْمُحَقِّق رَأْسَهُ قَائِلًا مُشِيرًا بِيَدَيْه :


حَتَّي لَا يَسْتَفِيقُ زَوّجَك مِنْ جُنُونِهِ أَبَدًا ، وَيُقِيم ابْنَك الْمَصُون قَضِيَّة الْحَجَر .


صُمْت الْمُحَقِّق لَحْظَة ثُمَّ قَالَ :


لِمَاذَا دَفَعْت زَوْجُك إلَيّ الْجُنُون وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قُمْتَ بِالْحِيلَة الَّتِي اِسْتَوْلَيْت بِفَضْلِهَا عَلِيّ أَمْوَالِه .


قَالَتْ الْمَرْأَةُ بِحَذَر :


لِأَنّ زَوْجِي لَيْس مَجْنُون ، وَحَتْمًا سَيَعُود لرشدة .


نَظَرٌ الْحَجّ " كَمَال " نَحْوَ السَّمَاءِ مُكَلَّلًا بِالدُّعَاء : إِنَّك اللهي الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ .


رَبَت الْمُحَقِّق بِمَنْكِب الرَّجُل الْهَزِيل قَائِلًا ببسمة عَطْفٌ :


لَك الْفَضْل ياحج " كمال" لِمَا مَا قَدَّمْته مِنْ أَوْرَاقِ ، تَثْبُت اسْتِيلَاء الْمَرْأَة عَلِيّ أَمْلَاك زَوْجِهَا بِتَارِيخ قَدِيمٌ وَطَبِيعَةٌ تَفَاقُم مُشْكِلَةٌ الْجُنُون ، مَا كَانَ لَنَا الْعِلْمَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الرهيب .


رَفَع الْحَجّ " كَمَال " يَدَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ قَائِلًا :

قَادِرٌ عَلِيّ كَشْف سَتْر الجبرين يَارَبّ .


نَظَرِ الطَّبِيبِ الشَّرْعِيّ بِعَيْن الْمُحَقَّقَ الَّذِي كَانَ يُقَاسِمَه تِلْكَ اللَّحَظَاتِ ، قَائِلًا بِعَيْن صَافِيَة :


حَيَاة الْخِدَاع قَصِيرَة .


حَتَّي قَالَ الْمُحَقِّقُ :

وَإِنْ طَالَتْ وَتَعَدَّدَت الْأَزْمَان .


.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...