إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 28 يونيو 2020

قِصَّة اللُّغْز مثيلة الرَّاحِلَةِ فِي الشَّكْلِ . بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

قِصَّة اللُّغْز
مثيلة الرَّاحِلَةِ فِي الشَّكْلِ .

بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

كَانَتْ عِنْدَ مَطْلَع عُيُون الْجَمِيع ، فَوْق مَسْرَح حافَة الْجِسْر الْعُلْوِيّ الْمَهْجُور ، جُثَّة لِفَتَاه فِي الْهَوَاءِ الطَّلْق تترنح ، خَمِيلَة عِشْرِينِيَّة دَقِيقَةٌ الْمَلاَمِح طَيِّبَة وبضة الْمَلْمَس ، شَعْرِهَا منسدل مِثْل جَدَائِل الشَّمْس ، وَعَوْدِهَا رَشِيق الإدّ .

نَظَرٌ الْمُحَقِّق يراودة الْعَثَرَات بِالْأَمْر ، حِين تَحَقَّقَ مِنْ أَنَّهَا جُثَّة فَارِغَةً مِنْ الدَّاخِلِ ، مِمَّا زَادَ الْأَمْرُ حَيَّرَه .

جَلَسَت مثيلة الرَّاحِلَةِ فِي الشَّكْلِ وَأُم القتيلة ، إنَّمَا فِي مَهَابَة تَذَكَّر بِالِاخْتِلَاف قَلِيلًا ، حَتَّي كظمت الْهَوْل والصدمة ، و اِنْفَجَرَتْ باكِيَةً ، تَلُوح بِالدُّعَاء :
سامحك اللَّه يَابْن صديقتي الْعَزِيزَة .

نَظَرُهَا الْمُحَقِّق كَا مَنْ يَنْتَظِرُ التَّوْضِيح ، حَتَّي قَالَت :

لَا غَيْرُهُ ، نَعَمْ أَنَّهُ " أمير" ابْن صديقتي الوَحِيدَة .

تَفَكَّر الْمُحَقِّق قَائِلًا بِكَلِمَات مِنْ الْعُجْبِ :

إلَيْك الْقِصَّة التَّالِيَة ، شاطِر " أمير" الأَحْزَان ، عِنْدَمَا تَقَدَّم لِخُطْبَة ابْنَتَك الرَّاحِلَة وَقَد قُمْتُم بِالرَّفْض .

اِلْتَحَفَت الْمَرْأَة بِكَلِمَات لَا تَفِي بِالْغَرَض ، وَتَحَدَّثَت مُطَوَّلًا بِكَثِيرٍ مِنْ الْجَمَلِ ، لَا يَسْلَمُ بِهَا نَحْوُ طَرِيق .

نَظَرٌ الْمُحَقِّق مُطَوَّلًا للبراح قَاتِمٌ الْوَجْه متريس فِي فِعْلِهِ الصَّمْت ، مِمَّا آزَاد القَلَق وَالرِّيبَة بِصَدْر الْمَرْأَة ، حَتَّي قَالَت بِإِيضَاح :

كَان " أَمِير " غَيْرِ كُفْءٍ لابنتي الرَّاحِلَة .

صَرّ الْمُحَقِّق الظُّنُونُ فِي مِنْدِيلٍ أَبْيَض وَضَعَهُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْمَرْأَة متسائلا فَجْأَة :

مِنْ الْقَاتِلِ سيدتي الحزينة .

اعْتَرَضَت الْمَرْأَة بِأَقْوَال وَإِشَارَات وَبَعْض الِانْفِعَالَات ، تَقُول بِأَسْنَان تَصْطَكّ :

أَلَّا تَعْتَقِدَ سيدى الْمُحَقِّق ؟ ! إنَّنِي لَسْت حَزِينَةٌ ، بَلْ أَنَا مَكْسُورَة ووحيدة واعارك النِّسْيَان .

جَلَس الطَّبِيب الشَّرْعِيّ يَقُوم بِبِنَاء حَالَة الرَّاحِلَة الَّتِي تَمَّت عَلَيْهَا الْمُعَايَنَة :

جُثَّة فَتَاة عِشْرِينِيَّة ، قَتَلْت مُذ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَتَمّ تَفْرِيغ أحْشَائِهَا مِنْ الدَّاخِلِ كُلًّا مِنْ ( الْكَبِد وَالْقَلْب والكليتان وَالرِّئَة ) وَبَقِيَت الْأَمْعَاء بحالتها مَع الْجَسَد ، تَمّ الْفِعْل وَأُلْقِي بِهَا الْقَاتِل فَوْق الْجِسْر الْمَهْجُور ، رَآهَا احدي الجائلين صَدَفَة .

وَجَسّ أَطَال بِرُؤْيَة الْمُحَقِّق متسائلا :

لِمَاذَا تَرَك الْقَاتِل ؟ ! الْجُثَّة وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ ، إذْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ تُجَّارِ الْأَعْضَاء .

أَشَار الطَّبِيب الشَّرْعِيّ :

بَصْمَة خَيْل آلِيا بِهَا .

قَالَ الْمُحَقِّقُ بِشَغَف :

لِمَنْ هَذِهِ البَصْمَة ؟!

قَالَ الطَّبِيبُ يَقْلِب بَعْض الْأَوْرَاق بَيْن يَدَاه :

" سُمَيْر الطَّحَّان "

جَلَس " سُمَيْر الطَّحَّان " يُحَاوِلْ أنْ يَتَجَنَّبَ مُلَامَسَة الْأَشْيَاء حِينَ قَدِمَ لَهُ الْمُحَقِّقُ ، كُوبا مِن الليموندا ، متحججا بِالْقَوْل :
لَدَى دَاءٌ عُضال بامعائي .

نَدّ الْمُحَقِّق وَأَضَاف بِطَرِيقِه أَخِّرِي :

هَلْ أَنْتُما حبيبان ؟ !

" سُمَيْر "

مُنْذ أَعْوَام وَوَالِدِة الرَّاحِلَة حبيبتي .

تَجَهَّم وَجْه الْمُحَقِّق مستعوضا خِلَاف الثَّبَات :

مَا الَّذِي دفعك لِقَتْلِهَا بِطَرِيقِه بَشِعَة .

ثَار " سُمَيْر " بِالِاعْتِرَاض وَالتَّأْكِيد :

أَنَّا لَمْ أَقْتُلْ الفَتَاة .

الْمُحَقِّق يَخْرُج شَرِيحَة مِنْ جِلْدٍ الفَتَاة قَائِلًا :

هَا هِيَ بصمتك .

يَتَنَكَّر "سمير"

لَم أَرَاهَا مُنْذُ سِتَّةِ أَيَّامٍ .

قَالَ الْمُحَقِّقُ لَا يناهض فَكَرِه الْمُتَّهَم :

قَالَت حبيبتك أَنَّك لَمْ تُرِي القتيلة إلّا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .

قَال الْمُتَّهَم :

نَعَم تَذَكَّرْت ، مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .

الطَّبِيب الشَّرْعِيّ باهْتِمام :

تَعَارُضٌ فِي الْأَقْوَالِ ، الْمَرْأَةِ تَقُولُ :

أَن حبيبها قَد رَأْي الفَتَاة مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَالْمُتَّهَم يَقُول :

رَأْي الْفَتَاةُ مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ ، وَالفَتَاة قَتَلْت مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ .

قَالَ الْمُحَقِّقُ مُؤَيِّدًا فِكْرَتُه باقتناع :

إذَا هَؤُلَاءِ هُمْ القتلي .

قَالَ الطَّبِيبُ :

لَكِن . . ) لِمَنْ تَكُونُ ؟ ! بَصْمَة الْحَذَّاء الْكَبِير .

دَخَل " يَسْرِي " بِهَيْئَتِه الضَّخْمَة يَجْلِس بكواء وَبَاطِنُه الْمَلَامَة بِنَفْسِه ، بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَ مِنْ تَّحَالُفة بِالجَرِيمَة .  وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَوَّهَ الْمُحَقِّق بِكَلِمَة ، قَال الْمُتَّهَم :

لَيْسَ لِي يَداً بِذَلِك ، كُنْت عَبْدًا لنقود وَالْمَأْمُور .

تَسَاءل الْمُحَقِّق : 

مَنْ هُوَ الْمَأْمُورُ ؟ !

" يسري" مُتَلَهِّفًا لِنَجَاة مِنْ حَبْلِ المشنقة :

"سمير الطَّحَّان "

عَاد " سُمَيْر الطَّحَّان " يُمَثِّل الْمَشْهَد گ كلاكِيت تَأَنِّي مَرَّة . . مُتَذَكِّرًا هَذَا الْمَوْقِفُ إيَّاه ، عِنْدَمَا قَالَت وَالِدِه الرَّاحِلَة :

هَل تُدْرَك إنَّنِي فَقِيرَة ؟ ! وأمس الْحَاجَة لِلْمَال .

لَمْ يَفْقِدْ " سُمَيْر " اتزانة إمَام حبيبتة وَقَال بِعَيْن الْحَبّ :

أُحِبُّك بِكُلّ الْحَالَات .

إِنَّمَا الشَّرُّ كَانَ حليفها حَتَّي قَالَت بحذاقة :

هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ "ايتن" لَيْسَت ابْنَتِي ، وَهِي متبناه مُنْذ الْعَهْد .

قَال " سُمَيْر " مُتَعَجِّبًا :

لَا أَفْهَمُ .

قَالَت الحبيبة :

يُرِيد الْأَبِ إنْ يَثْبُتَ أُبُوَّتِه ل " ايتن" ، وسيقوم بِذَلِك .

تَابِعٌ " سُمَيْر " :

ثُمّ ؟

الحبيبة بتكهن :

إنْ أَثْبَتَ الْأَبُ ذَلِكَ ، بِبَعْض الْأَوْرَاقِ الَّتِي تَنَازَل بِهَا لِي عَنْ الفَتَاة مُنْذُ عِشْرِينَ عَام ، وَقَام بِتَحْلِيل DNA سَيُثَبِّت أَنَّهَا ابْنَتَه .

قَال "سمير" بِرِفْق :

حبيبتي اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ هَيِّنٌ ، أَن الْفِرَاق لِفَتَاه كَانَت ابْنَتَك وَحَكَمَ لَهَا الرَّحِيل صَعُبَ عَلَيَّ قَلْبِك الرَّقِيق بِالْفِعْل .

ضَحِكْت الْمَرْأَة بخبث تتلوك :

كَم أَنْت سَاذَج ؟ ! أَيُّهَا الْحَبِيب ، أَنَّا لَا أَهْتَمُّ بِتِلْك الْأَشْيَاء ، وَقَدْ أُثْبِتَ بِالْفِعْل بَنُوه الْبِنْتِ لِأَبِيهَا ، فَقَدْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ زَمَنِ ، وَتَرَكَهَا لِي فِي الْمَهْدِ وَكَتَبْت ابْنَتِي وَكنت الْأُمّ ، بتنازل مِنْ أَبِيهَا الْفَقِير ، صَارَ  مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَرَحَل ، وَقَد وَرِثَت الفَتَاة مَال أَبَاهَا من الملايين .

اِحْتَضَن " سُمَيْر " حبيبتة :

مَا دَخَلْنَا بِذَلِك ؟ !

قَالَتْ الْمَرْأَةُ :

الْمِيرَاث أَيُّهَا الْحَبِيب .

تَنَهُّدٌ الْمُحَقِّق قَائِلًا :

كَيْف تَرِثُ الْمَرْأَةُ الفَتَاة ؟ ! بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ الْأَب أَنَّهَا ابْنَتَه .

قَال " سُمَيْر " مُتَذَكِّرًا :

قَامَتْ الْمَرْأَةُ بالعوبة ، عَنْهَا تنازلت الفَتَاة لِأُمِّهَا الْمُزَيَّفَة بِكُلّ الْأَمْوَال .

زُفَر الْمُحَقِّق زَفْرَة مُودَعٌ لصعاب الْأُمُور :

مَنْ قَامَ بِتَفْرِيغ الْجُثَّة ؟ !

اِرْتَجَف "سمير" كَالْفَارّ بالمصيدة :

كَانَ الْمَطْلُوبُ تَخْدِيرِهَا وَالذَّهَاب بِهَا لِشَخْصٍ مَا ، حِين انْفَضّ مِنْ الْأَمْرِ ، طَلَبَ مِنَّا أَنْ نلقي بِهَا فَوْق الْجِسْر .

جَلَس الطَّبِيب الْمَدَان بِجِرْم ، متباكي الِاعْتِرَاف :

زَادَنِي الجَشِع جَشَعٌ ، عِنْدَمَا أَمَرْتَنِي الْمَرْأَة بِقَتْل الفَتَاة ، رَأَيْت أَهْلِي وعشيرتي الْفُقَرَاء ، مِنْهُمْ ذَاتَ الْفَشِل الكلوي وَالْقَلْب الْهَالِك وَالْكَبِد التَّالِف ، قُلْت . . لِمَاذَا لَا أَفْيَد ؟ ! رُفْقَتِي بِتِلْك الْأَعْضَاء فَضْلًا أَنْ يَأْكُلَهَا التُّرَاب .

جَلَس الطَّبِيب الشَّرْعِيّ مُنْهِك الْحَال متفوها بِتَعَب ولمحة مِن السُّخْرِيَة بِكَلِمَاتِه :

سُحْقًا لِلْفِعْل الْبَشَرِيّ الْإِنْسَانِيّ الَّذِي يَتَحَوَّل لجريمة ، الْأَطِبَّاء ينزعون الْأَعْضَاء لِلْبَحْثِ عَنْ فَاعِلِ الجَرِيمَة ، وَالْقَاتِل يَنْزِع الْأَعْضَاء للمتاجرة بِهَا .

الْمُحَقِّق باستهانة :

لِذَلِك رَفَضَت الْمَرْأَةِ أَنْ تَزَوَّجَ ابْنَتِهَا مِنْ ابْنِ صديقتها .

الطَّبِيب :
وَقَامَت بِالْإِتْهَام الْمُوَجَّه ل "امير" بِالْقَتْل .

الْمُحَقِّق :

قِصَّة عَلَيْهَا إنْ تُؤَرِّخ فِي صِنَاعَةِ التَّمَرُّد وحبكة الْجَرَائِم .

الطَّبِيب يُضِيف :

لَا تتناسي أَن الجَرِيمَة جَنِين ضَعِيفٌ ، مِنْ وَصْمَةِ عَار الْحَبّ بَيْنَ الْمُلَّاكِ والافعي .

الْمُحَقِّق :

حَتَّي الْمَلَائِكَة طَالَت بِهِم الْعَدْوَى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...