سنتابع معا تحليلا لقصيدة نثرية متميزة، تستحق القراءة و التحليل، لأنها تقدم نموذجا جيدا لما أصبح يعرف بقصيدة النثر، تتجلى أهميتها في كونها استطاعت أن تقدم المواد الخام للتعبير، عن واقع تاريخي عاشه المغرب، و لا زال يعيشه، القصيدة قدمت هذا الواقع في حلة جديدة ، من حيث الامكنة، و الصور، و شخصيات القصيدة، لنتابع هذا المجهود كل يوم اثنين، و اربعاء و سبت، نتمنى بأن تروقكم المادة المقدمة، مع ملاحظاتكم، و انتقاداتكم، فكل شيء معرض للإيجاب، و الخطأ متم للابداع متميزين
قراءة لقصيدة "1/ تداعيات زمن منفلت" لعبدالرحمان بكري (1)(المقطع الاول)
محمد هالي
ان قصيدة عبدالرحمان بكري المعنونة ب"تداعيات زمن منفلت" لهي في عمقها قصيدة تدخل ضمن ما أصبح يعرف بقصيدة النثر، إنه لسرد يلامس تاريخا طويلا من تداعيات المغرب الاقصى، في أزمنة مختلفة، و قد اختار كاتبها بذكاء متبصر لسرد هذه الاحداث حانة سكر، و عربدة، كي يحلو للتداعي الحر المنبعث من صخب تلك الحانة، لرصد وقائع مهمة، لا يمكن ان تنجلي الا في مثل زحمة السكارى و العربدة المختارين بعناية فائقتين، و ارتأى السارد أن يبدأ بتأمل لوحة فنية معلقة على جدار اسمنتي، تجمع شخصيات عالمية، مع شخصيتين محليتين، ان هذا الاختيار لم يكن مرحبا به، الا لكون هاتين الشخصيتين يمثلان خطا أيديولوجيا، له امتداداته على كافة المعمور:
"وأنا أتصفح صورا عالقة على لوحة إسمنتية،
في قلب حانة تتعثر في نورها الخافت،
قبعة جيفارا تشاكس صلعة لينين، و المهدي، وعمر، وغرامشي .. "
تجرني الاسماء الثورية إذن، و هي تتماثل في مقدمة القصيدة، رغم أن هناك بون كبير بين تلك الشخصيات، سواء على مستوى التنظير، او على مستوى الممارسة، فالقبعة ما هي إلا سيلا من الممارسات، و التضحيات في ادغال أمريكا القاسية الجغرافيا، و الفقر، ضد جبروت النهب الذي تكنه أمريكا الشمالية لجارتها الجنوبية، فكان الطقس باردا، و حارا، الى درجة أن الرصاص المتلاشي في الغابات ادى الى وفاته، بعدما حقق نصرا جزئيا في كوبا، تاركا أنينه متواصلا الى حدود عصرنا هذا، في باقي أرجاء المعمور، الى درجة أن شركات رأسمالية تحقد عليه، ترسم بطولاته في بعض احتفالات كرة القدم، أو منديات ثقافية مختلفة، نظرا لما خلفه من شهرة ممارستية تفوق شركة كوكاكولا، او المنتوجات المغلفة بنهب بعض الدولارات، من بعض الاسواق العالمية، و هذا أيضا يصدق على صلعة أتعبها التنظير، ليتطاير الشعر من اجل الظفر بأول ثورة عالمية في التاريخ، جرت طبقة المقهورين بأن تنعم بالسلطة، و لو في لحظة تاريخية قصيرة، أشعرت عبيد العالم أنهم قادرين على الصعود الى الاعلى، فقط يجب عليهم التكتل في وحدة انتماء لطبقة اجتماعية تبيع سواعدها لكافة الرأسماليين، و تنظم نفسها بخطط حزب اصلع، يوجه المعدمين الى الهدف المنتظر من اجل الاستفادة من الارض التي هي لهم، و ليست لغيرهم، و شخصية ثالثة لم تستطع الظفر بأية سلطة على الواقع لكنها آمنت بشرارة الاصلع، و من نظر لأيديولوجية المقهورين حينما صنعت البرجوازية حفار قبورها، لكنه استطاع رغم ذلك أن يبث نصائح للمثقف العضوي، من داخل زنزانته التي مكت فيها الى لحظة أفوله.
محمد هالي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق