من رواية المطرود
لسقراطة الشرق
سياده العزومي
عضو اتحاد الكتاب
حملني إبداع الله إلى أعلى نقطة في السماء لألتقط صورة تشرح الصدر وتريح النفس، علي امتداد البصر تتدلى السماء بلونها الرمادي تتلاحم مع أحواض الزرع، الطيور تحلق أسرابا ومنفردة في الفضاء وتذوب مع النور في الأفق وأبو قردان يلون أعالي الأشجار بلونه الأبيض، البعض يقف متأملا الحياة لا يذكر شئ عن أمسه ولا يعرف الغد ليفكر فيه والبعض جالسا واضعا منقاراه علي صدره بين جناحيه يراقب صديقه الفلاح بحرملته وسرواله القصير يحمل جوبعته ويضع يده فيها ويملأ كفه بالبرسيم وينثره في الماء الغامر الأرض وساقه، عزف ماكينة الري يملأ المكان طق طق طق طق تعزف نشيد العزيمة وتضخ طاقتها في المياه لتجري وتروي الزرع وتجود الأرض بخيراتها الكل يسبح ويتنفس الأمن والأمان،
عيدان الذرة في كامل روعتها
مراحل نمو الذرة هي الحياة بفصولها الأربع الربيع بلونه السندسي والشتاء بلونه الأخضر الداكن والخريف بلونه البني الأشهب كغسق الشمس والصيف بلونه الأصفر الناري وأنفاس خشخشته الملتهبة، نبات الذرة مثلا للعطاء حتي آخر رمق، ثماره طعام للكل، والعيدان طعام للماشية، وإن جفت تصبح وقودنا نطهو عليها طعامنا ونصنع على لهيبها العيش من دقيقه، أما جذوره العنقودية المدفونة في الأرض سماد خصب، عرائس الذرة واقفة على العيدان في كامل نضوجها متزينة بشعرها الملون تترقص أمام بطوننا الجائعة، وعواء معدتنا وتقلصاتها يمزقنا شوقا لإلتهامها، منذ الفجر لم يدق باب معدتنا غير مياه البطيخ، قطفت بكرها للشوي، وأخرجت رفيقة جيبي علبة الكبريت، بحكم إني للأسف من المدخنين، ولا أعرف كيف أصبت بهذا المرض، هل كان انتقال عدوي من أصدقاء السوء، أم وراثة من أقوال أبائنا الأولين:
من عادات الرجال التدخين.
اقسمت الثقاب علي معدتنا ألا تهدأ، باتت كل المحاولات بالفشل فشلت في إشعال ثقاب واحد من علبتين كبريت انتهى الصراع
بتفويض أمرنا لله وأخذنا عرائس الذرة معنا إلي الدار وفي طريق العودة في أقل من لحظة، انطفأت الشمس ولبست الدنيا ثوب عتمة الليل المظلم، عميت، وانقلب الجرار، لحظة تدل فيها الستار على الماضي بكل ما فيه وسلك طريق الرحيل مع رحيل أبي وذاب كذوبان أيام الطفولة في فضاء النفس البعيدة ، وانكشف الغيام عما داخل كل نفس من حولي، لحظة وضعت فيها قدمي على أول خطوة في طريق المصاعب والألم
لأول مرة أشعر باليتم وبحاجتي الشديدة إلي أبي
نادى الحادث كل من كان يسمع و يرى في الطريق والحقول القريبة، رأيت نفسي وأنا أقذف في دوامة سحيقة، كنت أمسك في أطراف الرؤية والحديث، تدور الأشخاص من حولي بسرعة كبيرة صورهم متلاحمة بعضها البعض صوت صراخاتهم يجذبني ويوقظ الوعي في أذني وعيني وسكرات الإغماء تجذبني بقوة من جهة أخرى وتقذفني في قاع دوامتها العميقة، أسمع صرخاتهم.
- أين نذهب به؟؟
مازلت أكتب لكم
دمتم بخير أحبتي
لنضع بصمتنا معا على وجه هذه الحياة
سقراطة سياده

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق