من رواية
رأي الحمار
(سلطنة عمان)
لسياده العزومي
سقراطة الشرق
عضو اتحاد الكتاب
قطوف
مر قطار الإجازة كالبرق واقترب من بداية العام الدراسي وبدأ معه بصيص فكر الغد يقذفني بسؤال يقلق داخلي، كنت اقيده بالتجاهل إلا أنه كان يكسر قيده ويمرح في خاطري، ويقبض قلبي،
كيف أوفق بين الدراسة والعمل؟
لم يقفز السؤال في خاطري وحدي بل سمعت حين دارت ساقية الحكايات، وطفحت قواديسها ما يكمن في بئر نفوس إخوتي وأمي، وخاصه أخي الأكبر الذي طالما ألبس رأيه ثوب الفكاهة، قائلا:
-لا داعي للتعليم، وهبك الله يد طبيب، تشرح المحركات وتعالج الآلات، وتجني الكثير من المال.
العجيب أن أمي مالت كل الميل إلى رأيه، وبرز سيف حجتها، قائلة:
إذا ما استرد الله عطيته ولحقتْ بأبيك رحلت مطمئنة على إخوتك اليتامى الصغار البنات، بعدما وضعت كفالتهم بين يدك.
كانت تقطع به رقبة إصراري على مواصلة دراستي وتغتال رغبتي في الذهاب إلى المدرسة، ويتدفق من أعماقي حبها والحرص على برها.
قدم لهم هذا الحمار (حمار جارنا) الحل على طبق من ذهب ، وفتح باب إعلان نتيجة رأيهم على مصراعيه ......
ذات يوم زاملنا جارنا به في حمل سيقان القطن من الحقل إلى الدار، فالعشب وقود الفلاح طوال العام وإن لم يحترس فحارق داره،
وحين جاء الدور علينا أمرني أخي الأكبر رد عرق الحمار بالذهاب إلى حقل جارنا وجمع لوزات القطن، قامت الدنيا في نفسي، كيف أذهب عوضا عن الحمار، وأنا يد الإنفاق العليا على الجميع، وبقدر شعوري بعُلُوّ يدي علا صوتي وتلويحاتي وتعبيراتي، وبقدم الغيظ أخذت أضرب الأرض ضرباً وأقسم إنني لن أذهب بدل الحمار، كسرت هيبة أخي الأكبر أمام نفسه وأمام من رأى وسمع، فما كان منه إلا أن أقسم بطلاق زوجته إذا ذهبت إلى المدرسة مرة ثانية، وقذفني بفأس صغيرة في يده أصابت ذراعي، واقتلع عود عشب بجذوره من الطين وانهال به ضرباً فوق رأسي حتي تنسل العود من الضرب تاركا بصماته على لحمي، وتوالت الركلات واللكمات على سائر جسدي، وأنا لا حول ولا قوة لي إلا أن أتلقي الضربات على ساعدي وأنكمش تحت ذراعي وأضم رجلي إلى صدري، وهو يقسم قائلا:
زوجتي طالق إذا ذهبت إلى المدرسة مرة ثانية.
أيقظ صراخي أمي من غفلتها فأتت مسرعة، انكبت عليَّ ورفعتني من تحت بطشه وظلمه.
وبعد أن كسر انسانيته وبأنكر الأصوات ردد قائلاً :
أهذا ما تعلمتيه في المدرس؟!؛
عدم احترام الكبير.!
أهذا ما تعلمتيه؟!
عصيان الكبير وعدم طاعته وإهانة كرامته وهيبته؟!
زوجتي طالق إذا ذهبتِ إلى المدرسة.
فتحت أمي الباب علي مصراعيه عما يكمن في نفسها قائلة:
أيُّ نفس أنت؟
أيُّ ضمير ضميرك ؟
أيُّ قلب يسكن بين جوانحك؟
والله إن نفسك لأمارة بالسوء
وضميرك معدوم، وقلبك ميت. قطعت يدك الظالمة، التي تضرب بها أختك اليتيمة الكادحة، تقضي احتياجاتنا، وتعفنا عن سؤال الناس، وأنت تجلس من شروق الشمس تراقب عودتها مع الغروب، ولا يعنيك إلا أن تعد ما جنت يديها، وتضعه في جيبك المثقوب على نفسك، تشتري لفاف التبغ وتقضي ليلك بين أنفاس فكرك الأناني ودخان رفقاء النميمة،
والله إن أنانيتك كسرت لجام شيطانك، وقيدت نفسك اللوامة، ودعت إليك أصحاب السوء.
تغيرت يا ولدي، وتغيرت نفسك، كأنك شيطان إنس، أصبحتُ أخاف من الرحيل، واللحاق بأبيك من سو فكرك وتصرفك، لم تعد عيني تنام الليل خوفا عليهن منك، والله لن أضع يدي معك في طبق واحد بعد اليوم، ولن يجمعنا سقف بيت واحد، العزلة العزلة، أعزلهم عن شرك وأنا علي قيد الحياة خيرا ولهن رب كريم رحيم.
وأخذت تجرني ونادت إخوتي اليتامى الصغار البنات ولملمت أشياءنا، وهي تبكي ويكاد قلبها يقفز من بين جوانحي، هبت من نفس أمي مأساتها وجذبت الأنوف، والآذان ، والأبصار إليها، وشيدوا مصدات بالكلمة الطيبة وجبر الخواطر أمام عاصفتها ، فإكراما ليَّ ولهم عدلت عن رأيها.
أما أنا فقد سقط قسمه بطلاق زوجته إذا ذهبت إلى المدرسة كصاعقة من السماء فوق رأسي، شاردة الذهن لا أعرف من أنا، أبحث عن سؤال بالأمس كان يقلقني فلم أجده، أتخيل الغد من غير علم فلا أجدني، قبضة فراغ ألقها أخي الأكبر في قلبي، وسيف حجة أمي يقطع أمام عيني وبخاطري أخر شرايين اصراري في الذهاب إلى المدرسة ، والتقطت كاميرا الحياة لي صورة مازالت في خاطري
.......
مازلت أكتب لكم لنضع بصمتنا معا على وجه هذه الحياة
دمتم بخير أحبتي سياده/سقراطة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق