إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 6 أبريل 2020

مَسْرَحِيَّة باستهانة بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

مَسْرَحِيَّة

باستهانة
بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

الشُّخُوص

الْحَجّ "مفيد" الْأَب الْمَرِيض
الِابْن الْوَحِيد " ثابت"
زَوْجَةِ الِابْنِ الْوَحِيد

يَقِف الِابْنِ عَلَى خَشَبَةٍ الْمَسْرَح يَنْظُر أَبِيه
 الرَّاكِد بِفِرَاش الْمَوْت ، متَفَكِّرًا حَائِرًا بمغزى
 الْأُمُور

تتدفق عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ ، حَتَّى يَنْصاع بِوَهَن
 التَّرْحَال يَثْقُل حَالَة ، يُتَمِّتم الْأَب البَاكِي
 يسعل :

تَارَة أَكُونُ مِنْ الْأَصِحَّاءِ ، وَتَارَة أَفْقِد الصَّوَاب ،
 قُلْ لِى مَا بِي ؟ ! حَتَّى أَسْتَكِين .

رَثَى " ثابت" الِابْن الْوَحِيد لِلْحَجّ " مفيد" حَالَة ، خِلَافُ ذَلِكَ يَطْمَئِنّ الْمَرِيض :

لَا عَلَيْك يَا أَبِى الْعَزِيز الْغَالِي ، حَتْمًا سَتَكُون
 بِخَيْر .

يَقْبِض الْمَرِيض حافَة مَرْقَدَه بِعُنْف ، يُصِرَّ عَلَى سُوءِ حَالتة :

سَئِمْت الِانْتِظَار ، سَئِمْت الْكَلِمَاتِ الطَّيِّبَةَ ، أَشْعَر
 بِحَالِي ، يَقْتَرِب الْمَعَاد .

ينفطر الِابْن مُحْتَرِقًا بِاعْتِرَاف الْأَب :

لَا يَا ابتى ، أَنَّهَا لَيْسَتْ النِّهَايَة .

يَنْظُر الِابْن نَحْوَ السَّمَاءِ ، حَتَّى تترصد عَيْنَاه
 الْغُرُوب قَائِلًا بتوتر :

لَم تَحِنّ السَّاعَة بَعْد .

يَنْتَفِض الْأَب متلوعا متململا :

انْظُرْ يَا بَنِى , عَلِيًّا الِاعْتِرَاف .

يُشْعِر الِابْن بِهَذَا التَّأْنِيب ويمتعض مِنْ حَالِهِ ، 
حَتَّى تَرْتَسِم بملامحة الدُّمُوع تَتَوَقَّف بالاحداق .

يَسْتَمِرّ الْأَب فِى حَدِيثِهِ الباكى نَادِمًا عَلَى
 الْمَاضِي ، نَاظِرًا للبراح :

ادَّعَوْا لِى فليسامحنى الرَّبّ ، ادَّعَوْا لِى 
فليسامحنى الرَّبّ .

ينفطر الِابْن يَجْهَر بِالْبُكَاء :

مَاذَا فَعَلْتُ يَا أَبِى ، أُرَاكَ مِنْ الأبرياء .

يَنْظُر الْأَب بملامح مبهوتة ، يُقِيم رَأْسَه بالذعر :
مَا عسايا ؟ ! وَأَرَاك مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ .

يَنْهَر الِابْن حُسْنِ ظَنِّ أَبِيه يَجْهَر :
كَذَبْتُك عَيْنَاك يَا أَبِى ، خيبت الْأُمُور ظنونك .

يَعْتَرِف الْأَب :

أَبَدًا أَبَدًا ، فَإِن أَبَاك قَاتَل .

يُصْعَق الِابْن يُشْعِر بِالْخَلَل ، يتهاوى بمركز
 الْأَرْض ، يَقْطُر جَبِينِه خَيْبَة ، يَهْمِس لَمَّا كَانَتْ
 تلامسة إقْدَامَه :

كُنْت احْتَسَب نَفْسِي مُغْتَنِم الفُرَص .

يُزِيح الْأَب فِرَاشِ الْمَوْتِ عَنْ جَسَدِهِ ، يُسْتَحْلَف بِالسَّمَاء :

وَاَللَّه وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدَيْه ، قَتَلَ أَبَاك وَعَذُب مِن
 لُيونَةٌ الْأَظَافِر الصِّغَار .

يصدم الِابْن بِصُورَةٍ لَا تُصَدَّقُ مَعْنَى الْكَلَامِ .

يَسْتَكْمِل الْأَب مُهْتَز الرُّفَات ، يجسد الْحَقَائِق ، 
فِى صُورَةِ درامية :

لَحْظَة سَوَّلَت بِنَفْسِي الْمَطَامِع حِينَ كَانَ الْإِرْثِ
 مِنْ وَرَاءِ أَبِى مَطْمَع النُّفُوس ، إرْث يَمْلِكُه أَنَا 
وَآخَى الرَّاحِل وَابْنِهِ الصَّغِيرِ ، قَالَت نَفْسِي
 بِالسُّوء :
لِمَاذَا يَرِث فِى أَبِى الْآخَرِين ، مَنْ هُمْ الْآخَرِين ؟ ! أَخِي وَابْنُه الْوَحِيد ، إنَّمَا لَا أَنَا فَقَطْ مِنْ عَلَيْهِ 
الْإِرْث ، وَهَؤُلَاء عَلَيْهِم الرَّحِيل .

يتكوم الْأَب مِثْل الطِّفْل ، ثُمّ يَقْفِز بِعِنَاد وَكَأَنَّه
 عَاد طِفْلًا ، يُطَالَب أَبِيه :

طَلَبَتْ مِنْك الْكَثِير وَكُنْت تَرْفُض ، قَتَلْت الرَّغْبَة وَالْحِلْم بداخلى ، الْحَلْوَى ، اللُّعْبَة ، الضُّحَكَة ،
 الطَّعَام الْجَيِّد ، لِمَاذَا تَحْرُم ابْنَك من هَذَا ؟ ! وتضفى
النَّعِيم بِابْنِك الْآخَر ، كَانَ عَلِيًّا الثَّأْر وَالِانْتِقَام .

يَكِيل الْأَب بقبضتة :

كَانَ عَلِيًّا فَرْضٌ النِّهَايَة لِهَذَا الْعَبَث .

يُشْعِر الِابْن بِحَالِهِ مِنْ الثَّوْرَة بَعْدَ أَنْ اسْتَمَع
 لأعتراف أَبِيه يُرَدِّد :

الرَّحِيل الرَّحِيل ، كَلِمَة يَصْعُب عَلَيْنَا سَمَاعِهَا .

يَسْتَكْمِل الْأَب :

تَخَلَّصْت مَنْ أَبَى ، قَرَّرْت التَّخَلُّصِ مِنْ آخَى
 دَبَّرْت المكائد ، اقتصنت الفُرَص ودوى
 بِالْأَوْقَات الذع اللَّحَظَات ، أَتْمَمْت الْمُهِمَّة ، قَتَلْت آخَى و وخنقت ابْنِهِ الصَّغِيرِ .

يُشْعِر الِابْن بِالْخَوْف وَالرَّهْبَة ، يُحَاوِلْ أنْ يُخْمِد
 أَبِيه لِيَكُفّ الْحَدِيث ، يتصداه الْأَب ليستكمل
 حَدِيثِه :

لَا فَائِدَةَ مِنْ ذَلِكَ ، أَنَا قَاتَل قَاتَل ، قَتَلَ أَبَاك أَخِيه بِالسُّمّ الْأَبْيَض .

يَكِيل الْأَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، يَخْنُق الْبَرَاح قَائِلًا
 بانْفِعال :

بِهَذِه الايادى قَتَلْت الطِّفْلِ الصَّغِيرِ .

يَجْهَر الِابْن بِحَرَكَة هسترية يَكْتُم أَنْفَاسَه :

ياويلتى وَكُنْت أَظُنُّ نَفْسِي الوَحِيدَة الَّتِى قَتَلْت .

يَسْتَمِع الْأَب الْكَلِمَة جَيِّدًا يُرَدِّد :

قَتَلْت ، مَنْ قَتَلْتَ ؟ !

يَبْتَعِد الِابْن بَاكِيًا يُشْعِر بِتَأْنِيبِ الضَّمِيرِ ، يَتْبَعُه
 الْمَرِيض مترنحا :

يَتْبَعُه الْأَب بِحَالِهِ مِنْ الانْهِيَار :

مِنْ الضَّحِيَّةِ الْمِسْكِين هَذَا ؟ ! حَرَّر نَفْسَك مِنْ
 الْإِثْمِ ، أَطْلَق الْأَحْمَالَ عَنْ عَاتِقِك ، أَفْصَح الْأَمْر لاباك الرَّاحِل ، سيرحل وَمَعَه سِرُّك .

يَكْتُم الِابْن أَنْفَاسَه بِلَا حَرَاك .

تَدْخُل زَوْجَةِ الِابْنِ فِى رِدَاء أَسْوَد ، يَتَمَلَّكَهَا
 الزَّهْو وَالْكِبْرِيَاء تَتَحَدّث بِثِقَة مفعمة :

لَن يُخْبِرُك عَنْ الْمَقْتُولِ شيئ ، . لِأَنَّه مَازَال حَىّ .

يَقْتَرِب الْأَبُ مِنْ زَوْجَةٍ ابْنِهِ الْوَحِيد مُتَوَسِّلًا
 إلَيْهَا :

بِاَللَّهِ عَلَيْك أَنْ تُخْبِرِي رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُزِيح الهَمِّ
 عَنْ كَأَهْل ابْنِه الْوَحِيد .

تَنْهَر الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ بِعُنْف :

السِّتّ أَنْت قَاتَل ؟ ! السِّتّ أَنْت ظَالِم ، الطبيعى
 أَن يَلِد الظُّلْم مِيرَاث الظُّلْم .

يَتَوَجَّه الِابْن الْوَحِيد مُتَغَيِّب يَضِيقَ صَدْرُهُ ،
 يُتَوَسَّل لِزَوْجَتِه :
أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِالصَّمْت ، بَات قَلْبِى يَنْفَجِر .

يَسْقُط الْأَب طَرِيح بِسَاطَ الْأَرْضِ ، يَزْحَف نَحْو
 ابْنِه الَّذِى تَكَوَّم بِالْأَمَة ، يَتَعَكَّز بِابْنِه يسئلة
 هامسا :
مَنْ الْمَقْتُولُ يابنى ؟ ! مَنْ هُوَ ضحيتك ؟ !

تَضْحَك زَوْجَةِ الِابْنِ الْوَحِيد بِصَوْت رَنَّانٌ ، تَقُول بفرحة الثَّأْر :
لَيْسَ بَعْدَ الظُّلْمِ إلَّا الظُّلْم ، وَالْقَاتِل يُقْتَل لَوْ بَعْدَ حِينٍ ، اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْعَجُوز إِنَّك قَتَلْت أَبِيك
 لترث وَقَتَلْت أَخِيك بِالسُّمّ الْأَبْيَض وخنقت ابْنِ أَخِيكَ مَنْ أَجْلِ الْمَال وَحْدَك ، وَابْنُك الْوَحِيد
 فِلْذَة كبدك وَقُرَّة عَيْنَيْك ، قَتَلَك بِالسُّمّ الْأَبْيَضُ مِنْ أَجْلِ مِيرَاث السُّوء ، وَأَنَا قَتَلْت ابْنَك بِنَفْس
 السُّمّ ، وَأَنْتُمْ الْآنَ الْقَتْلَى ستكونا مِن الراحلين ، تَضْحَك الْمَرْأَة بِجُنُون وَتَنْظُر لَهُم بتنكر .

يتوعك الْأَب وَيَتَأَلَّم الِابْن بِحَدِّه ، يحاولا أَن
 يصلا لِلْمَرْأَة للانتقام ، لَكِنْ لَا مَحَالَةَ ، يَخِرّ
 الرَّجُلَان ، تَنْظُر لَهُمَا الْمَرْأَة ، تَضْحَك بمحافل
 النَّصْر ، تَجْهَر :
تدبرون مِن الْكَيْد غِلاظَة وَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّ التَّدَابِير دَائِمًا طَرِيق لِنِهَايَة الْكَيْد .

تَهْوَى خُطَاكُم بشناعة أَفْعَالِكُم بالمقابر الْمَلْعُونَة ، وَحَصَاد الرِّجْس مهالك الشَّيْطَان .

تَنْظُر الْمَرْأَة نَحْو الراحلين باستهانة وترحل .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...