إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 2 أبريل 2020

في التسامح // الشاعر والمبدع محمد هالي

أيام كورونا العصيبة(اليوم الرابع عشر)
هذا المقال هو عبارة عن مداخلة لي في إحدى الصفحات الادبية التي جعلت من تيمة التسامح موضوعا للنقاش
محمد هالي

في التسامح

التسامح مفهوم يندرج ضمن مبحث القيم، و عندما نريد ترتيبه و وضعه في سياقه الممارستي يبقى رهين بطبيعة الشخص الذي يجسده على ارض الواقع، و بهذا فهو يرتبط بالضمير و مدى جرأة الانسان على استخدامه في تنفيد أفعاله. يستوقفني هنا تصور ايمانويل كانط الذي عمل على إعطاء مبحث القيم ما يستحقه من الدراسة و التمحيص، يقال أن كانط  به اكتملت فلسفة الانوار الاوروبية، فهو يرى أن الانسان لا يكتمل الا بفعل الاخلاق من خلال تجسيد فعل العقل العملي في ممارسة الانسان،  فالإنسان في مجال العقل النظري يبقي غير دي قيمة، لا ينسلخ عن الفعل الحيواني تحركه الغريزة لا العقل رغم امتلاكه للعقل، فهو يبقى حبيس السلوكات الطبيعية المبتدلة، من هنا يتبين أن الاكتمال ينم في انخراط الانسان في مجال العقل العملي، و لا يبقى حبيس العقل النظري، و قد خصص لمبحث القيم كتابا يعد من أضخم الكتب في هذا المجال بعنوان "نقد العقل العملي" و ضمن هذا الكتاب اردف كانط  في شرح كل المسائل المتعلقة بالقيم، و اعطى لمسألة الضمير المنحى الاكبر في  الاشياء التي تبرز ممارسة الانسان الفاضلة كمسألة الواجب و الحرية.. الخ لنعد لموضوعنا الرئيسي الا وهو التسامح، فهو كأي قيمة مرتبط بالإنسان باعتباره كائنا اخلاقيا بامتياز، و في هذا السياق نجد جون لوك هو الفيلسوف الذي وضع تحديدا دقيقا لمفهوم التسامح في رسائل نشرت بعد موته، و يعتبر هذا الأخير من اهم فلاسفة الانوار الى جانب كانط و روسو و مونتسيكيو و غيرهم يحدد التسامح في رسائله على الشكل التالي "ليس لأي إنسان السلطة في أن يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أن يؤمن به أو أن يفعله لأجل نجاة روحه هو، لأن هذه المسألة شأن خاص  و لا يعني أي إنسان"  إن مضمون جون لوك يطول في تبيان اهمية التسامح و في تبجيله و مدحه، و يتوخى من هذا بناء أسس جديدة تعنمد على الاحترام لحرية الفرد و معتقداته كيفما كان نوعها،
و بناء على تلك الفلسفات السابقة تم صياغة مجموعة من المبادئ التي صاغتها اليونيسكو في "اعلان المبادئ حول التسامح" الذي تم توقيعه في 16 نونبر 1995م . اذكر منها ما يلي"
التسامح هو الانسجام داخل الاختلاف، ليس التسامح فقط واجبا أخلاقيا، بل هو كذلك ضرورة سياسية و اخلاقية، التسامح هو فضيلة تجعل السلام ممكنا، و تساهم في احلال ثقافة السلم محل ثقافة الحرب"
بناء على هذه التحديدات يمكن التوقف على النقط التالية: 
1 – أن التسامح ظهر في سياق الفلسفة السياسية التي سعت الطبقة البورجوازية التجارية بلورتها ضدا على الفكر الفيودالي الاستبدادي و عملت هذه الفلسفة في مجال جعل حرية الفرد في التصرف في كل معتقداته و تصرافته شريطة احترام الآخرين، و بالتالي كان بالضرورة التركيز على مبحث القيم لجعل الممارسة الانسانية أساسية من اجل اكتمال الانسان و جعله يتميز عن الكائنات الطبيعية الأخرى، و في هذا السياق كانت الفلسفة الانوارية قاسية جدا في وصف الانسان بأبخس الشتائم لجعله يطبق القيم في أفعاله و التركيز على مفاهيم أساسية كالواجب ، و الحق، و الحرية ، و حتى مسألة التسامح..
2 – في عالمنا العربي لم نؤسس هذا المفهوم بل أن  هناك خلط في مفاهيمنا،  فاختلط الكذب بالنفاق، و الخير بالشر، فجعل التسامح ضعف في الانسان، فزاد من تعميق الصراع و جعل المتسامح في موقع حرج لا يعرف كيف يتصرف ، تقتله طيبوبته ، و تجعله في المراتب الدنيا من التهميش، و يصبح الطاغي يتسم بالرجولة و الشهامة ، فيتحول التسامح الى اذلال، و تهميش. عوض ترجيح مسألة الضمير الأخلاقي الذي يحرك الانسان من اجل بناء سلام يخدم الطبيعة و الانسانية جمعاء.
3 -  التسامح لا يمكن ان يتم الا في سياق خلق مواطن سليم في مجتمع سليم يؤمن بحرية الانسان  و باحترام مبادئه وقيمه، و يؤمن  بان الفرد كيفما كان ذكرا او انثى له نفس الحقوق و نفس الواجبات ، و أن خدمة الآخر و احترامه هو في نفس الوقت احترام للذات.
محمد هالي

 -

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بطل من هذا الزمان // بقلم الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي ..

 كتب الأستاذ علي جزيري الباحث والكاتب الكوردي في جريدة كوردستان العدد ( 714 ) تاريخ ( 15/10/2023 ) الصفحة العاشرة حكاية بعنوان ( بطل من هذا ...