قِصَّة الجَرِيمَة
مَظْرُوفٌ القَهْوَة
بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت
لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّع أَبَدًا ، بَلْ كَانَتْ الصَّدْمَة مُرْوِعَةٌ ، أَجَابَت سُعَاد بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، الَّتِى كَانَ لَهَا أَثَرٌ الْحُطَام بِالنَّفْس ، أَثَر الصَّاعِقَة عَلَى الرَّأْسِ ، عِنْدَمَا مَات الصَّبِىّ مقتولاً .
تَيَقَّن الْمُحَقِّق بِغَرَابَة مِنْ الْأَمْرِ ، يَدْفَعُه هَذَا السُّؤَالِ بِإلْحَاح :
كَيْفَ وَصَلَ السُّمَّ إلَى عَمَلُك ؟ !
قَامَت " سعاد" بِسَرْد مَا يَجِبُ عَلَيْهَا إنْ يُقَالَ :
هَذَا الْعَمَلِ خَاصَّ باضيق الْحُدُود ، أَنَا رَئِيسِه الْعَمَل ، لصناعة أغلفة الْكُتُب ، و " عاصم" هُوَ الْعَامِلُ ، الَّذِى يَتَوَلَّى بسواعدة الْأُمُور وَيُتِمّ الْأَمْر النهائي لِلْعَمَل .
أَوْقَفَهَا الْمُحَقِّق بِإِشَارَة متسائلاً :
مَاذَا حَدَثَ بِهَذَا الْيَوْمِ ؟ !
اسْتَغْرَقَت " سعاد" بِمَاهِيَّة اللَّحَظَات ، وظلت تسرد :
حَدَّثَتْنِى رفيقتى بكاميرا الْهَاتِف ، سَمِعْت صَلِيل الْبَاب الخارجى ، دَخَل " عاصم" واعقبت عَلَيْه التَّوْبِيخ ، عُدَّت لصديقتى ، وتساءلت بِى :
لِمَاذَا كُلُّ هَذَا الْغَضَبِ ؟ !
احْتَقَن الْغُلّ بداخلى ، واعرضت الظَّنّ بِدَاخِل قَلْب صديقتى بالنفى ، حَتَّى دَخَلَ " عاصم" بِطَبِيعَة عَمَلِه لِصُنْع كُوب مِنْ الْمَشْرُوبِ السَّاخِن ، حَتَّى نهرتة بمزحة :
هَلْ كُلُّ الْمُتَزَوِّجِين حَدِيثًا ، سُعَدَاء مِثْلَك .
تَعَجَّبْت صديقتى ، الَّتِى كَانَ لَهَا أَنْ تَتَابَعَ مايحدث بَيْنِى وَبَيْنَ الْغُلَام ، ثُمَّ ذَهَبَ لِإِتْمَام عَمَلِه ، وناورتنى صديقتى بِكَلِمَات طَيِّبَة ، تَهْدَأ روعتى .
سُئِل الْمُحَقِّق :
هَلْ خَرَجَ الْغُلَامِ مِنْ الْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ .
تَفَكَّرْت " سعاد" قَلِيلًا :
نَعَم ، خَرَج لِصَاحِب الْحَانُوت السُّفْلَى ، وَعَاد مسرعاً .
. . .
جَلَسَت " رُؤْيَة " تَقْضِم أَظَافِر يَدِهَا ، وَهَى تَنْهَى الجَرِيمَة عَن صديقتها الوَحِيدَة " سعاد" قَائِلُه بِغَضَب :
أَبَدًا وَاللَّهِ ، وَلَوْ شَهِدَ الْجَمِيع ، لَن اِقْتَنَع أَبَدًا أَنَّهَا الْقَاتِلَة .
الْمُحَقِّق بثورة الْغَضَب :
هَل تنكرين ؟ ! أَن صديقتك مُعَقَّدَة وَتُكْرَه الرِّجَال .
"روية" بتوتر :
أَبَدًا لَا أُنْكِرُ ، لَكِنَّ ذَلِكَ نَتَجَ عَنِ ظُرُوف .
قَالَ الْمُحَقِّقُ بِثِقَة ضارمة :
هَذِهِ الظُّرُوفِ ، هِى الَّتِى دَفَعْتُهَا لِلْقَتْل .
. . .
نَظَرَ صَاحِبُ الْحَانُوتِ لفنجان القَهْوَة ، بِيَد الْمُحَقِّق ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :
لَمْ يَمُرَّ يَوْمًا ، حَتَّى يَأْخُذَ الْغُلَام كَمِّيَّةٍ مِنَ القَهْوَة ، سَنَوَات وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ ، مَا الْجَدِيد فِى الأَمْرِ ؟ !
قَالَ الْمُحَقِّقُ :
مِنَ الَّذِى ابْتَاع ؟ ! وَمَن الَّذِى بَاع ؟ !
قَالَ صَاحِبُ الْحَانُوتِ بَعْد تَرَدَّد :
لَا أَتَذْكُر ، بِالْأَمْس كُنْت مَرِيضٌ ، رُبَّمَا يَكُونُ عَامِلُ الْحَانُوت .
جَلَس "صابر" يَتَهَيَّأ بِرَفْع أَكْمَامِه ، يَشْهَدُ عَلَيْهِ حُضُورُهُ وَنَشَاطِه الْجَمِيع وَالْيَقِظَة تَتَحَدّث عَنْه .
اِبْتَسَم الْمُحَقِّق بوجها بَشُوش متسائلاً :
هَل أَبْتَاعُ مِنْك عَامِلٌ الأغلفة مَظْرُوفٌ القَهْوَة ؟ !
تَفَكَّر " صَابِرٌ " قليلاً ، ثُمَّ أَجَابَ :
نَعَم وَأَخَذ إيَّاهَا .
ناورة الْمُحَقِّق بِهَذَا السُّؤَالِ :
أَيْنَ كَانَ مَظْرُوفٌ القَهْوَة ؟ !
قَال " صَابِرٌ " بِلَا مُبَالَاة :
لاَ أَدْرِى .
دَقّ الْمُحَقِّق بقبضتة المكتظة جاهرا :
هَلْ أَتَاكَ الْمَظْرُوفِ وَحْدَهُ ؟ !
قَال " صابر" بَعْدَمَا تَماسَك نَفْسِه ، أَثَر فَزَعُه طالته مِنْ بَعْدِ ثَوْرَة غَضِب الْمُحَقِّق :
أَعْطَانِى إيَّاه الْأُسْتَاذ " ضَيْفٌ " ابْنُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ .
جَلَسَت " سُعَاد " تَكَذَّب أُذُنَيْهَا ، عِنْدَمَا سَمِعْت الْخَبَر ، حَتَّى قَالَ الْمُحَقِّقُ :
لَوْلَا أَنْ تَذُوق " عاصم" القَهْوَة ، لَكُنْتُ مِنْ الراحلين .
قَالَت " سعاد" :
إلَى أَىّ مَدَى يُصَلّ الكُرَة ؟ !
الْمُحَقِّق :
لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ الْهُرُوبُ مِنْ الْمَاضِي .
"سعاد" :
"ضيف" هُوَ الْمَاضِي الْحَاضِر ، الَّذِى قَام بخداعى .
الْمُحَقِّق :
الْحَبّ أَعْمَى .
"سعاد" بِحَالِهِ مِنْ الضَّعْفِ :
وَالْجَهْل أَعْمَى مِنْ الْحَبِّ .
. . .
يَجْهَر الطَّبِيب الشرعى :
الِاعْتِرَاف سَيِّد الْأَدِلَّة .
الْمُحَقِّق وَهُوَ يَنْتَظِرُ الْإِجَابَةِ مِنْ الْأَخِيرِ :
خَطِّه طَوِيلَة الْمَدَى .
الطَّبِيب :
اللعوبة أَتَمَّ بِهَا " ضَيْفٌ " الهَدَف ، عِنْدَمَا حَاوَل مُمَارَسَة السُّوء مَعَ صَاحِبِهِ صَنَع الأغلفة ، حَتَّى اعْتَرَضَت ، مِنْهَا قَالَ لِعَامِل حَانُوت أَبِيه ، أَنْ يُعْطَى " عَاصِم " مَظْرُوفٌ القَهْوَة ، عِنْدَمَا يَأْتِى للابتياع ، انْتِقَامًا مِن الْخُلُوقَة .
رَاوَدَه الْمُحَقِّق بخبث :
وَكَاد التَّنَكُّر بِوَالِد الْحَبِيب ، أَنْ يُمْحَى عَن نَجْلِه التُّهْمَة .
انْدَفَع الطَّبِيب قَائِلًا :
بِاَللَّهِ عَلَيْك ، مَا فَائِدَةُ الْأَدِلَّة وَالْبَرَاهِين وَالْإِثْبَات .
الْمُحَقِّق :
دَائِمًا يُؤْمِن الْمُجْرِم بِنَفْسِه ، وَلَا يُؤْمَنُ بِالْعَدَالَة .
الطَّبِيب الشرعى :
تتعثر الْعَدَالَة قليلاً ، لَكِنَّهَا تَأَتَّى لَا مَحَالَةَ . .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق