تحليل قصيدة"رياح حارقة" لعبدالرحمن بكري(المقطع الثالث)
محمد هالي
ما بين اليأس و الأمل تتقاطع الترانيم النثرية السردية و تتأهب الرؤى المتفائلة والمتشائمة و اليائسة ، بين ما مضى، وما هو حادث، و ما ستحمله الأيام القادمة، احتمالية حضور المقاوم كما كان يتمنى بزغاريد الاعتراف الفاضل، المليء بالسموّ، و الجلال، أ هو "سيد الارض" أم أن الأمر سييبقى مجرد " محطة في أرشيف النسيان" ؟
فما تنطوي عليه الوقائع سوى المتاجرة بقيم اولئك الذين تحملوا عبء الانتصار، الذين تحملوا قساوة التلال، و صعوبة التصدي للدخيل، هي معاناة من يحمل قيم النبل حين يحضر الاحتفاء بالذكريات:
"لو كان الامر مدونا
في مفكرة الاهل
لوضعت له برواز الشهيد
تتعاقب فيه صورة الاحتفاء
على وتيرة أناشيد الفجر"
و تبقى "لو" التمني تتأرجح ضمن وجع الاحتمال، تتصبب عرقا، حين تبرز الوقائع، و ترى ان الاهل تاهوا في رغد العيش المتعب، هم يتصارعون على البقاء كتجمع النمل في شقاء الادخار، هم تائهون، مقصيون، لهذا يبقى "بكري" هو الوحيد المبصر لضياع الشهيد في دهاليز الاهمال، و النسيان، مادام الاهل في غفل عن الماضي، و احتضنهم ما سماه "ألان دونو" ب"نظام التفاهة" هو النظام المتسم بجبروته و قساوته، فيقع المقاوم في بطش الحاضر، و سقوطه في مشاكل العصر الجديد، المليء بالأحداث الأليمة: بروز الطائفية ، و النزعات الاقصائية ، و الحروب المنتشرة في كل البلدان العربية، فلم يعد للماضي حضورا للاحتفاء بل اصبح ما هو مؤلم في الماضي هو الأمل، و المبتغى ، و المتوخى، و كأن آلام و تعب المناضل في تلك الحقبة تذهب سودا، و هذا ما سرده "بكري" بشكل واضح في هذا المقطع، المليء بالرموز و الدلالات:
فلا المكان في عينيك ..
يستعر،
تحت رقصات الصرع،
في كفوف مدافن الأحياء،
حتى .. شاخت تلك الأراجيف،
تتناقلها وجاهة السفهاء،
في قصائد سجع الرهبان..
هو ذا الألم الذي أفرزته القصيدة ، إنها تأهبت لتجعل من الماضي المقاوم على أمل عيش رغيد للأجيال القادمة ، فسقط المقاوم في "مدافن الأحياء" و "وجاهة السفهاء" و "قصائد سجع الرهبان"..
غير أن بكري لم يطفئ الأنوار كلها، فهو يفتح أبواب الأمل لما هو آت، فهو يعلنها صراحة في انفجار الشمس، ثورة، تغيير، رجة؟، انقلاب الأحداث... لتكون هي الحقيقة الجديدة "و لا الحقيقة في حضنك تندحر" أي أمل ما كان يناضل عليه في التلال الوعرة يندحر "أمام وقع انفجار الشمس"، تعيد له الاعتبار ك"سيد الارض"، و تدونه" على مفرق من النصر" كما كان يتوخاه و يطمح اليه، و في هذا التغير المنتظر في المستقبل، يرسم الشاعر قصيدته على منوال الحلول المنتظرة، فعلى هذه الترانيم ينشد قصيدته، بوقع الختام المبني على الحلول الناجعة أعلاه:
"أنذاك ينتفض صوتي ،
على مقصلة الخيبة ،
توقظني،
تراتيل الشجر.."
محمد هالي
(يتبع)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق